من أجمل أساطير العرب في الجاهلية ..
التي ذكرت في شعر الفرزدق وجرير والاخطل
قصة ويبار مدينة الجن ( المدينة المفقودة ) وأسطورة النجائب المهرية :
قصة من قصص عجائب العرب في الصحراء .. قصة مكان كان يسمى في الجاهلية الفردوس المفقود .. وهو المكان الذي كانت تعيش فيه قبائل ويبار العربية البائدة ..
العرب أمة مثل باقي الأمم الأخرى .. في مخزونها الثقافي و التاريخي تجد بعض الأساطير أو ما نسميه في عصرنا الخرافات .. أما في ذلك الوقت فكانوا يؤمنون بهذه الأساطير و القصص ..
عندما ذهبت و إختفت العرب البائدة و جاء مكانهم العرب المتأخره أو ما يسموهم عرب الجاهلية قبل الإسلام بمئات السنين .. كان هؤلاء العرب يتناقلون قصص الأقوام و القبائل الذين سبقوهم ..
وكان عرب الجاهلية يتناقلون فيما بينهم قصص عن أماكن مخفيه و مفقوده إبتلعتها رمال الصحراء مثل مدينة ويبار و أرم ..
وكانوا ينسبون الظواهر أو الأشياء النادرة التي كانت تحدث في زمنهم الى تلك الأقوام البائدة ..
ومن الأمور التي كانت تنسبها العرب في الجاهلية الى الأقوام البائدة هو نوع نادر من الإبل كانوا يسمونها النجائب المهرية ..
وكانت هذه الإبل هي نخبة النخبة من الإبل .. نوع نادر جداً يرجع نسبها الى قبائل مهرة .. لأن قبائل مهرة هي التي كانت تملك هذا النوع النادر من الإبل ..
لهذا تم تسميتها بالنجائب المهرية .. وهذه النجائب المهرية إرتبطت قصتها مع قصة مدينة ويبار المفقودة .. وهي مدينة من مدن العرب البائدة التي أهلكها الله بسبب طغيانها .. مثل مدائن صالح و عاد و ثمود و إرم و شعيب وغيرها من مدن الأقوام البائدة ..
أباد الله مدينة ويبار وأهلك شعبها .. فإستوطن الجن في مدينتهم وسكنوا في منازلهم و أخذوا مواشيهم و مزارعهم و جمالهم و خيولهم وجميع ممتلكات هذه المدينة و استولوا عليها .. وأخفوها عن عين البشر ..
حمت الجن هذه المدينة المفقودة و حرستها ومنعت البشر من الإقتراب منها لقرون طويله من الزمن ..
كانت مدينة ويبار مشهورة بواحات النخيل و المزارع و المواشي .. وكانت تمتلك قوة غذائية جبارة ..
ومن هذه المدينة خرجت النجائب المهرية التي كانت تمتاز بقوة و صحة جبارة .. لدرجة أن الخلفاء كانوا يدفعون مبالغ طائلة في سبيل الحصول على ناقة واحدة من تلك الإبل ..
وبدأت قصة تلك الإبل في زمن قبائل مهرة في اليمن.. حيث كان هناك رجل من اهل اليمن يعمل راعي للنوق .. وبينما هو يرعى ماشيته في الصحراء الشاسعة خرج له جمل .. جمل كأنه كوكب مضيء حسناً و بياضاً .. جمل لم يشاهد الراعي المهري له مثيل عند العرب .. فدخل هذا الجمل بين نوق الراعي .. وضاجع جميع النوق لمدة ثلاث أيام ثم خرج من القطيع و ذهب بعيداً و إختفى بين كثبان الصحراء ..
حبلت النوق من هذا الجمل .. وجاء انتاج هذا الجمل من أحسن ما يكون بين جميع إبل العرب ..
فجاء الراعي المهري في نفس اليوم من العام التالي الى نفس المكان فخرج اليه نفس الجمل و ضاجع جميع نوق الراعي و أنتجت مجددا نسل محسن من الإبل لم تشاهد له العرب مثيل ..
ورجع الراعي في العام الثالث أيضاً ليعيد التجربه و ليلقح نوقه من هذا الجمل .. فإنتج له الجمل الجيل الثالث من النوق المهرية .. وكان هذا الجيل الثالث من أفضل الإبل في جزيرة العرب .. وضرب بها المثل و اسمتها العرب بالنواجب المهرية نسبة الى هذا الراعي من قبيلة مهرة ..
في المرة الرابعة جاء الجمل لنوق الراعي .. ووقف في وسطها و هدر بصوت عالي و خرج من القطيع .. فتبع الجمل جميع انتاجه و نسله و ذريته من النوق و الإبل على مدار الثلاث سنوات و لحقوا به .. فسار الجمل وسط الصحراء تلحق به ذريته .. فلحق الراعي قطيعه لكي يرجعه دون جدوى .. فتبع الراعي القطيع محاولاً إرجاعه .. حتى وصل الجمل الى مدينة لم يشاهدها هذا الراعي المهري من قبل ولم يكن يعلم بوجودها في تلك المنطقة ..
كانت المدينة مليئة بالواحات الخضراء و عيون الماء و شجر النخيل و التمر وكان يوجد في المدينة عدد ضخم و مهول من الإبل و المواشي و الخيول .. لكن لم يكن يوجد فيها بشر !!!
فنسى الراعي أمر الجمل و نوقه و مضى يتجول في هذه المدينة العجيبة التي لم يشاهدها أو يسمع فيها من قبل ..
وبينما هو يتجول في المدينة جاء اليه رجل عجوز من الجن ..
فقال له الجني بإستغراب ما الذي أتى بك الى مدينتنا و كيف دخلت إليها !! .. فخاف الراعي وقال له ان هذه الإبل هي لي وقد تبعت هذا الجمل وهو من اوصلني الى هنا ..
فقال له الجني أن هذا الفحل هو فحلنا وهذا كله انتاجه فهو لنا ولو كنا ندري انك جعلت جملنا يضاجع نوقك وانت تعلم ان الجمل لنا لكنا قد قتلناك .. لكن كرماً منا سوف نعفوا عنك و نعطيك ناقة واحدة فقط لكي تستطيع العودة الى أهلك .. وإياك ان تعود مجدداً الى هنا وإلا قتلناك ..
فرجع الراعي المهري الى قومه ومعه ناقة واحدة فقط .. وكان انتاج هذه الناقة التي أعطاه إياها الجن هي ما أسمته العرب بالنجائب المهرية .. والتي كانت تدفع القبائل العربية و ملوك و خلفاء العرب مبالغ خرافيه في سبيل شراء ناقه واحده من سلالة هذه النجائب ..
يروى ان سليمان بن عبد الملك الخليفه الأموي قد طلب من جنوده ان يبحثوا له في القبائل العربيه عن واحده من أندر النجائب المهرية .. وفي يوم من الأيام شاهد جنود الخليفه رجل من قبيلة بجيله يركب جمل من النجائب المهرية .. جمل لم يشاهدوا له مثيل .. فطلب الجنود من البجلي ان يبيعهم هذا الجمل للخليفه .. فرفض البجلي بيعه لهم .. فقال الجنود ان الخليفه يريد جملك فإما ان تبيعنا إياه وإما أن نقتلك ونأخذه .. فقال لهم البجلي انا عندي اقتراح .. نتسابق انا و أنتم .. فإن سبقتوني تأخذون الجمل مجاناً للخليفه .. وإن سبقتكم فأكون نفذت بجلدي ..
وافق الجنود لأنه من المعروف و البديهي أن الخيل أسرع من الجمل ..
فبدأ السباق بين الجنود الذين يركبون خيولهم و بين البجلي الذي يركب جمل من النجائب المهرية .. فسبقهم البجلي ولم يستطيع الجنود الإمساك به لسرعة جمله ..
....
والنجيبة الثانية المشهورة عند العرب بنسبها لقبائل ويبار البائدة هي الخيل الأعوج ..
والخيل الأعوج هو أفضل سلالات الخيل العربي الأصيل و ترجع قصته الى مدينة ويبار الأسطورية المفقوده في الصحراء ..
أتينا على بنات أعوجا مسرجاتٍ .. عليها الأكرمين وهم نزارُ
يوم دخل العرب الى الأندلس دخلوا على بنات أعوج .. وهي السلالة العربية النادرة من الخيل الأصيل ..
الأعوج هو حصان مقوس الضهر وهو من أندر أندر أنواع الخيل و أفضلها في العالم .. والعرب تقول انه من سلالة خيل قبائل ويبار البائدة ..
تقول العرب أن النبي داوود أعطى النبي سليمان سلالة نادرة من الخيل .. و النبي سليمان أهدى بعضاً من هذه الخيل النادرة الى قبائل الأُزد العربية في عُمان .. قبائل الأُزد أسمت خيل سليمان بإسم زاد الراكب .. قبائل تغلب استرقت حصان زاد الراكب و استولدت منه سلالة محسنه جينياً .. قبائل بكر استرقت و استولدت من حصان بني تغلب المعدل جينياً وأنتجت لهم حصان أسموه الديناري .. الديناري أستعاروه قبائل عامر و استولدوا منه حصان معدل جينياً أسموه فياض .. وقبائل ويبار مزجت بين جينات حصان عامر و جينات حصانهم الذي اسمه السوده و انتجوا من هذه الخلطه الحصان الأعوج الذي يعتبر أفضل سلالة خيل في العالم ..
وجميع الشعر العربي الجاهلي ذكر الحصان الأعوج و نسبه و سلالته .. فكان العرب يصفون بأشعارهم صفات و ميزات الخيل الأعوج الشهير ..
...
تروي العرب في الجاهلية قصة رجل دخل أرض ويبار المفقوده ..
وهذا الرجل كان اسمه دعيميس الرمل العبدي من بني تميم ..
وهو الرجل الوحيد في العرب الذي كان يعرف الطريق الى مدينة ويبار الأسطورية .. الى درجة ان العرب ضربت به المثل الشهير : ( أدل من دعيميس الرمل ) ..
ودعيميس الرمل له قصة مثيرة مع مدينة ويبار المفقودة و القصة هي كالتالي :
دعيميس كان مثل المهري .. راعي لديه نوق .. وبينما هو يرعى نوقه في الصحراء جاء اليه جمل ناصع البياض .. فأنتج الجمل من نوق دعيميس أربعين من النجائب النادرة ..
وفي يوم من الأيام جاء الجمل الأبيض و أخذ سلالته و ذريته معه .. فركب دعيميس حصانه و لحق بالجمل و نوقه حتى دخل الى مدينة ويبار العجيبة ..
فعندما دخل دعيميس الى ويبار أمسكت به الجن وقالوا له أن هذه النوق لنا فهي من سلالة جملنا .. وسنخيرك بين ثلاثة أمور في مقابل أن لا تعود الى هذه المدينة مجدداً ..
والأمور الثلاثة التي خيرته بها الجن هي : أن يكون أغنى الناس أو أشعر الناس أو أدل الناس ..
فإختار دعيميس الثالثه وهي أن يكون أدل الناس .. أي أكثرهم معرفه بالجغرافيا و المناطق و الطرق .. وفعلاً كان مضرب مثل لدى العرب ( أدل من دعيميس ) ..
فجاء دعيميس يوماً الى سوق عكاظ .. وهو مكان تتفاخر فيه العرب بالشعر و الفرسان ..
فوقف دعيميس في سوق عكاظ وقال للعرب أنا موهوب بشيء أنتم لستم موهوبين فيه مثلي .. فأنا أدل واحد في هذه الأرض .. فهذه الجزيرة العربية أنا أكثر شخص فيكم أعرفها ..
وقال دعيميس في وسط عكاظ بيت الشعر الشهير على مسامع جميع العرب :
ومن يعطيني تسعةً وتسعينَ ناقةٍ .. هجاناً و أُدماً أدله على ويبار
أي من يعطيني تسعة و تسعين ناقة أدله على الطريق الى مدينة ويبار التي سمعتم جميعاً بها ولم يشاهدها أحد منكم قط ..
فسكت العرب لأن المبلغ كان كبير و المجازفه كانت أكبر ..
فقال له رجل ثري من قبيلة مهرة أنا أعطيك إياها في مقابل ان تدلني على الطريق ..
أخذ المهري معه بعض الجنود و الحرس و ذهب مع دعيميس الى مدينة ويبار المفقوده ..
وعندما إقترب دعيميس و المهري و الجنود من مدينة ويبار هبت عليهم عاصفه رملية هوجاء ..
فطمست الجن عين دعيميس و أصابته بالعمى لأنه أخلف اتفاقه مع الجن و خان عهده معهم أن لا يعود مجدداً ..
وأخذ الجن من دعيميس موهبته التي أعطوه اياها بعد أن أعموه .. فضاع دعيميس و المهري و الجنود في الصحراء حتى ماتوا جميعهم عطشاً ..
وهذه القصة مذكوره في شعر الفرزدق و جرير و الأخطل ..
يقول الفرزدق متفاخراً على جرير :
ولقد ضللت أباك تطلب دارً ما .. كضلال من إلتمسوا طريق ويبار
أي كضياع دعيميس و المهري في الصحراء وهم في طريقهم الى ويبار .. مع أن دعيميس كان مضرب المثل في الجاهلية ( أدل من دعيميس ) إلا أنه ضاع و هلك و مات هو وأصحابه في الصحراء عندما قرر العودة الى المدينة المفقودة ..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق