مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأربعاء، 25 مايو 2022

تحية الوعي والمعرفة بقلم رماز الأعرج

 تحية الوعي والمعرفة المتجددة

تفكروا تصحوا 

رماز الأعرج ,, (المحاضرة الأولى)

لمحات من الشيفرة الكونية الفصل 12 من فرع (الإنسان والوعي والمعرفة) 

الفصل الثاني عشر

1 المعرفة

تعريف مصطلح المعرفة لغوياً حسب المعجم العربي

0 المعرفة, إدراك الشيء على ما هو عليه.

0 المعرفة, حصيلة التعلم عبر العصور.


هناك الكثير من المفردات و التصريفات لكلمة معرفة أيضاً في اللغة و لكننا غير معنيين سوى بأقربها للفهم الفلسفي, و نرى أن مفهوم المعرفة في المعجم اللغوي مقارب و مشابه للمفهوم الفلسفي, و كلا المعنيين المذكورين يتوافقان فلسفياً مع التعبير الفلسفي الذي يعتبر المعرفة نتيجة نشاط ذهني عقلاني و هذه النتيجة تشكل مقدمة لمعرفة الحقائق عن العالم و الوجود و هي شرط أساسي من شروط كشف الحقيقة.


إن المعرفة فلسفياً تعني (تكوين مفهوم مجرد  عن الشيء كما هو عليه) وهناك فارق  بين اللغة و الفلسفة, والإدراك في الفلسفة ليس معرفة بل هو مرحلة أدنا كثيراً من المعرفة, و بحسب الفلسفة فإن الإدراك هو من مستويات الدماغ المشتركة بين الإنسان و الحيوان, بينما المعرفة هي من المفاهيم الاجتماعية والإنسانية الصرفة .


و بذلك يصبح التعريف اللغوي الأول رغم انسجامه لغوياً إلا أنه فلسفياً يعتبر غير ممكن استعماله في هذه الحالة.


فالمعرفة مرحلة متقدمة يسبقها الحواس و الإدراك و التصور و التفكير و التجريد ثم تصل إلى تشكيل مفهوم, أو مجموعة من المفاهيم المعرفية عن الشيء المعني, و بذلك تصبح معرفة, أي أن المعرفة في النهاية مجموعة من المفاهيم المعبرة عن الواقع بعلاقاته و تفاعلاته, أو ظاهرة أو شيء ما.


و هي ذاتية ذهنية بالنسبة للواقع و هي ذاتها موضوعية كوجود مادي, حيث بالضرورة كوجود أن تكون المعرفة انعكاساً مشابهاً أو مطابقاً للواقع قدر الإمكان, و بذلك تكون المعرفة علمية و منهجية, و أي معرفة غير متطابقة مع الواقع,أو لا وجود لها في الواقع, تعتبر معرفة غير واقعية و غير علمية و بذلك فإن المعرفة بالضرورة أن تكون ناتجة عن ممارسة و نشاط مادي و ذهني و إن تمر عبر الحواس لتشكل انعكاساً فعلياً للواقع, و بذلك نرى أن الممارسة هي أساس نشوء الفكرة و المعرفة و الوعي أيضاً .


إن المعرفة هي خاصة من خواص الوعي و من أهم مكوناته, ولولاً المعرفة و التفكير لما كان هناك وعي أصلاً بالشكل الذي نعرفه, و كما تبين و أثبت لنا سابقاً أهمية الممارسة في نشوء و تشكل الفكرة و المعرفة و الوعي,  سنرى لاحقاً أن المعيار الوحيد و الأكثر دقة لمعرفة مدى مصداقية المعارف التي حصلنا عليها يعود إلى الممارسة و التطبيق لهذه الأفكار و التأكد من صحتها, و بذلك تكون الممارسة أيضاً معياراً للحقيقة.


2 الشيفرة الكونية نظرية و طريق لمعرفة العالم


تأتي الشيفرة الكونية من ضمن المعارف و الفكر الإنساني الأساسية وما تمتاز به هذه النظرية إنها في نهاية المطاف توصلنا إلى تشكيل صورة واضحة عن العالم و الوجود, و ما يميز هذه النظرية إنها مشتقة لمفاهيمها و ما تحمله من معارف نظرية عن الواقع, و لا تكتفي بصياغته في نظريات بل تمارسه كنشاط إنساني فكري ذهني و عملي من خلال البحث و التنقيب عن الحقائق بدل الانعزال عن العالم و البحث في الفراغ و العزلة و التأمل المجرد.


و من أهم ميزات الشيفرة الكونية كنظرية معرفة, الأساس العلمي الجدلي في المعرفة كمنهج, و تشكل امتداداً للفلسفة الجدلية العلمية عبر التاريخ, بل و مكملاً لها و مضيفاً ما تركه الكثيرين من قضايا عالقة, كما هي عليه, ربما لانشغال الكثير من  المفكرين في النشاط السياسي المباشر, مما أدى إلى أضعاف الموروث النظري الفلسفي و إفراغه من القضايا العلمية المجردة البعيدة عن السياسة و الطبقية و من النظرة الأولى لقرأه الفلسفة في الماركسية مثلاً.


أول ما نلاحظه أن غالبية السياقات و الأمثلة و الردود طابعها سياسي اقتصادي, و نلاحظ أن في حال إخراج الأمثلة السياسية و سياقاتها من المادة فلم يتبقى سوى مجموعة من القوانين الجامدة في صيغ و سياقات غير كافية لإعطاء الموضوع حقه كعلم للكون, و ليس علماً سياسياً اجتماعياً محضاً, و لهذا جاءت الشيفرة الكونية بهذا الشكل المختلف الميال في البحث و الاتجاه نحو العلمية و إعادة الفلسفة إلى نصابها الصحيح كعلم شمولي للكون و ليس وسيلة سياسية و دينية و طبقية و تجارة الخ..


و من ميزات هذه الرؤية أنها لا تعطي إجابات على الأسئلة بقدر ما تعطي المفتاح الذي بإمكاننا من خلاله البحث وإيجاد الإجابة على كافة الأسئلة, من خلال الممارسة و النشاط الذهني و العضلي و البحث و التجربة و الإثبات, أن الشيفرة الكونية هي عبارة عن مفاهيم مترابطة مستنبطة من الواقع ذاته و بهذا فهي مطابقة له نسبياً إلى حد كبير, و تشمل قوانين الواقع و الوجود العامة و هي على تواصل مستمر مع مكتشفات العلم و آخر المستجدات و بهذا فهي نظرية متحركة متطورة بتطور الواقع و حركته, رغم شموليتها على مطلقاته,  و لكن هذه المطلقات هي  مطلقة بحكم الواقع  ذاته و ليس مطلقة مبتكرة,  بل إن الشيفرة الكونية هي عبارة عن انعكاس لحركة الكون في لغة و مفاهيم معينة, و من يمتلك ناصيتها يمتلك مفتاحاً للغالبية العظمى من التساؤلات التي يتركها الواقع على وعينا.


إن امتلاك الإنسان لهذه المعارف و فهمها سيجعله قادراً على البحث بنفسه و السعي وراء الإجابات بدل أخذها جاهزة ومغلفة استهلاكياً كبقية السلع, و هذا يعني, أن العقل المتحفز الباحث سينشط للبحث عن الإجابات, و بهذا يكون الإنسان قد انتقل إلى مرحلة الإبداع, أياً كان نوع عمله أو مجال نشاطه الاجتماعي.


إن جدلية الشيفرة الكونية تشكل الأساس في منهجها, و هذه الجدلية ليست مسقطة أو اعتباطية, بل هي انعكاس مباشر للواقع في النظرية و بنيتها, فبنيت الجدلية أصلاً قائمة على تناقضات الواقع و جدليته, و بذلك جاءت الجدلية, و سميت الجدلية العلمية بناء على ما تحمله من جدل و تناقضات و صراعات مترابطة.


و حين نتحدث عن المعرفة و قوانين الواقع الموضوعي لا بد لنا أن نشمل النظريات و النشاط الذهني ذاته من فكر و وعي بما في ذلك المعرفة, فالمعرفة ذاتها جدلية و ينطبق عليها كل ما ينطبق على الواقع من قوانين في النهاية, أي الأفكار و النظريات جزء من الوجود المثبت بالممارسة و بهذا ينطبق عليها كافة قوانين الواقع و يضاف إليها قوانينها الخاصة أيضاً تماماً كما هو الواقع.


فالفكر مثلاً أسرع من الضوء رغم أن الفكر نفسه ينتج عن طاقة (كهروطيسية) حيوية و هي طاقة التي يقوم الدماغ باستخدامها, و هي طاقة مادية يمكن تصويرها عبر أجهزة خاصة و قد تم تصوير أشخاص و هم في حالة نشاط ذهني عالي التركيز, كحل مسائل رياضية معقدة أو أي عمل ذهني صعب آخر, و قد تبين أن الدماغ  يصبح بحركة نشطة لتيارات كهروطيسية متواصلة تزداد كثافتها وحركتها مع ازدياد النشاط الذهني و تنخفض مع انخفاضه.


و لكن علينا أن نتذكر أن الفكر ليس هذه النشاطات الطاقية التي ترصد, بل الفكر هو حصيلة و لا يمكن رؤية الفكر ذاته و لكن من الممكن التعبير عنه بسهولة من خلال العالم المادي المباشر.

إن المعرفة في النهاية هي عملية جدلية متغيرة و متفاعلة بتفاعل الواقع ذاته.


و بهذا فإن المعرفة ذاتها موضوعية و موضوعها أيضاً هو موضوعياً, أي الواقع ذاته, و إذا أردنا فهم عملية المعرفة ذاتها علينا العناية بها و بنشوئها و تفاعلها كظاهرة واقعية موجودة, و بحث محتواها و تاريخها و تطورها.

و لهذا نعود دما إلى ماهية المعرفة ذاتها و مكوناتها كمعرفة و طريق للحقائق. 

رماز



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق