واجب المثقف هو النقد الصارم للمجتمع , لا مجاملته .. فولتير نموذجاً :
من المعلوم أن فولتير عندما زار إنجلترا وشاهد التقدم الذي حققته وكل التسامح الديني المنتشر فيها راح يهاجم فرنسا والفرنسيين لأنهم لا يزالون متعصبين طائفيا وغير مستنيرين عقليا .
راح يهاجمهم بعنف لأنهم لا يزالون يقتلون بعضهم بعضا على الهوية من كاثوليكيين وبروتستانتيين . فكلهم مسيحيون : كتابهم الإنجيل ونبيهم يسوع المسيح . ومع ذلك فإنهم لا يطيقون بعضهم بعضا !
اقرأوا كتابه «رسائل إنجليزية» الذي تحول لاحقا إلى «رسائل فلسفية».
إنه ممتع حقا .. عندئذ تدركون أن المثقف النقدي الحر هو الذي يحلحل الوضع ويوقظ الشعب ، وليس المثقف الامتثالي المحافظ الذي لا يقدم ولا يؤخر . فهل كان فولتير خائنا لفرنسا وعميلا لإنجلترا إذ هاجم الفرنسيين ومدح الإنجليز ؟
أبدا ، لا .. فمن شدة حرصه على شعبه وغيرته على أمته وانزعاجه من سبق الآخرين لها راح يقرع الفرنسيين ويؤنبهم ويحثهم على اللحاق بركب الأمم المتطورة .
والآن لا يلومه أحد على هذا الموقف النقدي الصارم . على العكس فإنهم يعتبرونه إحدى مفاخر الأمة الفرنسية لأنه أيقظها من غيبوبتها وأصوليتها وتعصبها . وأصلا لو أن فلاسفة أوروبا قالوا إن شعبنا عظيم ، شعبنا ملائكي ، شعبنا لا يعاني من أي مشكلة أو علة ، لما حصل أي تقدم في أوروبا .
ليس عيبا أن يكون الشعب بأقلياته وأكثرياته ذا حساسية طائفية في فترة من الفترات بسبب الجهل والرواسب التاريخية المتراكمة والعصور الانحطاطية .
العيب هو أن يبقى كذلك . العيب هو أن تدغدغ النخبة المثقفة عواطفه بشكل ديماغوجي بدلا من أن تساعده على استشعار هذه النواقص والعيوب بغية التحرر منها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق