مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 4 سبتمبر 2022

قصة قصيرة بقلم سيدة بن جازية

قصة قصيرة
بقلم سيدة بن جازية تونس 
سر السيارة السوداء

في الباحة الفسبحة يطل علينا مركز معالجة المدمنين ، منذ الوهلة الأولى يتراءى روضة غناء أو مركب الطفولة والشباب ،فالبناية مصممة بعناية فائقة و الطلاء يبوح بالبشر و الفاعلية ، فالألوان زاهية تشرح القلب المهموم منتقاة بحرفية متناهية فيها الإخفاء و التمويه أمام حقيقة رواد المكان ... أمام بابه المشبك الحديدي حارس أو بواب ببذلته الرسمية وطاقيته يجلس على كرسيه يرقب المكان ويمنع الزوار و يحقق مع المغادرين إلا بوثيقة مكتوبه، و قد وضع كفه على خده الأيمن وكأنه يستغرب من أسرار الحياة وحكمتها كيف يقبل بعض البشر على إدمان بعض السموم متلفين أموالهم وأجسادهم وكرامتهم ثم يقبعون خلف القضبان كسجناء قد أهدروا المال الخاص وعبثوا بأجسادهم التي استأمنهم الله عليها و أرواحهم و بعضا من ماء الوجه .

لم يمض وقت طويل حتى توقفت سيارة فاخرة أمام المركز فأسرعت إليها متلهفا كي استقي بعض المعلومات عن هذا المركز ففوجئت بملامح الشخصية ،إنها شخصية مشهورة عرفت بالتقوى والورع ماعلاقتها بالموضوع! ؟ 
لم أترك الوساوس تلعب بي و تقدمت نحوه. استأذنته للحوار بكل لباقة واحترام ،فابتسم وبادرني قائلا : 
_ السلام عليك ورحمة الله و بركاته ، لا تستغرب وجودي فأنا أزور المركز بانتظام ،أساعدهم و أحاول تقديم بعض المواعظ لمن لازال إيمانه ضعيفا...
كم أعجبتني نبرة صوته ورصانته و هالة النور التي تحيط به.
ودعته ،ثم طلبت إذن الحارس لمقابلة المسؤولين ليقدموا لي بعض مايمكن أن أفيد به للتعريف بنشاط المركز ودوره الفعال في الشفاء في برنامجي التلفزي.
ليس من السهل الدلف وسط عالم يلكتنفه التكتم و السرية و بصعوبة قبل أحد المسؤولين بإدارة المركز أن التقيه بالحديقة المجاورة للباب الخلفي...
طال الحديث بيننا وقدم كل معلومة تفيدني ولا تكشف هوية النزلاء ختمت اللقاء بسؤال عن الشخصية المرموقة التي زارتهم وتكرر زياراتها شهريا محملا بالهدايا والتجهيزات.. فقال في تأفف: لا شيء يخفى على وسائل الإعلام ابحث أو تقص عن الأمر تجد الجواب.
قسمات وجهه و نبرة صوته بعثت الشك في نفسي وطرحت ألف سؤال رغم السيرة العطرة للرجل والسريرة النقية الطاهرة في الداخل و الخارج...
غادرت المكان وقد غيرت وجهة مشروعي من الإشادة بدور المركز في إشفاء المدمنين إلى فك سر الرجل الكاريزماتيكي.
عدت إلى بيتي محملا بثلاث فرضيات: إما أن يكون الرجل من المدمنين وقد تعافى وبقي يرى بالجميل إلى دور المؤسسين في الاستشفاء و إما يبحث عن الثواب و الشهرة وإما... لايمكنني البوح بها فبعض الظن إثم .
كثفت الاتصالات وجمعت ما أمكنني جمعه من معلومات ثم أخذت أترصد الرجل: كل مشاويره و من يقابل وكيف يعامله الناس بمختلف الشرائح الاجتماعية. لمع خيط رفيع أوشكت أن ألفه حول عنق الرجل وأخنقه به..
كلما يرخي الليل سدوله و تهدأ حركة المارة و رجال الأمن يلتقي بعض الشباب المعدم المحروم في منطقة خالية من السكان فيقدم لكل فرد كيسا ويأخذ منه كيسا دون نقاش
ثم في لمح البصر يذوب كالملح في الطعام تاركا وراءه غبارا ثائرا و غبارين بلهاء لا يعرفون خطورة المادة التي بين يديهم 
بعيونهم الغائرة واصفرار أسنانهم الناتئة وحلاقة رؤوسهم مقزعة تعلن ثورة الفقر والخصاصة و الجياع ،كل ملامحهم تدعو للشفقة و الإرباك.
ماذا عساني أفعل ؟
يجب أن أتواصل مع أحدهم وأضع النقاط على الحروف.
،
لم انتظر ضياع الفرصة وبسرعة نفذت ما خطر ببالي ، نكشت شعري المرتب بعناية و أخرجت قميصي من سروالي بطريقة مهملة ثم فتحت كل الأزرار. و خلعت ساعتي الثمينة من معصمي تاركا إياها بالسيارة ونزلت أتعثر في مشيتي مغادرا مخبئي وتوجهت إليهم في استبلاه ...
مساؤكم سعيد ، شباب ، إني أكاد أجن ، رأسي يؤلمني ودبابيس ترشقني من الداخل ( لم ينقطع عن الهرش للحظة) 
هل تدلونني على أحد الغبارين في هذا المكان لقد اقتنيت منه ٱخر مرة ما يكفيني لشهر لكن الكمية قد نفذت بسرعة وأنا أجزي العطاء... لا تخشوا شيئا فأنا أتبع السيد .....وهو من نصحني بالبحث في هذا المكان و هذا الزمان . 
نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة من أمرهم وانطلقوا في المساومة . حتى أوشكت القضية أن تنكشف كل خطوطها لولا أن أحدهم قد استدرك قائلا:
- إنه فخ اهربوا
توزعوا كل في اتجاه مختلف لا يشق لهم غبار و بقيت. أضرب كفا بكف و أنا ألعن الأقدار...

يتبع إن شاء الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق