مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 27 أبريل 2025

» شم النسيم «(3)» من ذكريات الشباب بقلم علوي القاضي

«(3)» شم النسيم «(3)»
 ( من ذكريات الشباب )
  بقلمي د/علوي القاضي.
... كان من الأحداث والبرامج المميزة لقضاء يوم شم النسيم في فترة الكلية (القصر العيني) ، زيارتي لحديقة الحيوان والتجوال فيها مستعينا بخريطة لها كنت اشتريها من شباك التذاكر ولقربها من السكن والكلية فكنت أسكن أمام مستشفى أبو الريش 
... وذات مرة أثناء زيارتي لحديقة الحيوان ، إستوقفني مشهد لافت للنظر ، وقفت أمامه متأملاً ، هذا الفيل شديد الضخامة ، والذي يمتلك قوة هائلة ، قوة قادرة على تحطيم ذلك القيد الذي يلتف حول قدمه الأمامية ، إن الفيل رغم قوته الجبارة يقف في دعة وهدوء وسكينة ، دون أدنى محاولة من جانبه لتحطيم ذلك القيد الذي يُكبل حركته ، ويصادر حريته ، ويبقيه أسيرًا لايملك من أمر نفسه شيئًا
... توجهت بكل مايعتمل في نفسي من حيرة وإندهاش إلى مدير الحديقة ، توجهت إلى مكتبه فأحسن إستقبالي ، وبُحت له بما دار بخاطري من تساؤلات ، ما الذي يحول بين الفيل وتحطيم أغلاله ، إنه ليس محبوسًا في أقفاص فولاذية شديدة الصلابة ، ولا تقيد أقدامه سلاسل حديدية ضخمة ، ومع ذلك ، وهذا هو المثير للدهشة أنه ، يخضع الفيل لتلك القيود مذعنًا ، رغم أن في مقدوره تحطيم قيوده بيسر وسهولة إذا شاء ووقتما شاء ، نظرًا لضخامة جسمه وقوة عضلاته ، ولكنه لسبب ما لايفعل ذلك ! ، إبتسم المدير ، ونظر إلىّ نظرة الخبير العالِم ببواطن الأمور ، وقال ، أن الجدَّ الأكبر لهذا الفيل حين تم إصطياده من إحدى غابات أفريقيا كان صغيرًا ، شديد المِرَاسِ ، شرسًا ، لذلك تم وضعه في الحديقة مقيدًا بقيد حديدي حال بينه وبين الإفلات ، وظل يحاول مرات كثيرة تحطيم قيوده ، ولكن محاولاته جميعها باءت بالفشل ، وإستكان في نهاية الأمر ، وإستسلم للأغلال ، ولم يعاود محاولة تحطيمها ، رغم نموه المطرد ، وتزايد جسمه في القوة والضخامة ، لكن يبدو أنه قد ترسخت بداخله قناعة أو (عقيدة) بضرورة الخضوع للأغلال والإستسلام للأسر ، وإنه لاطائل من محاولة الفكاك من الأغلال ، لم تكن تلك الأغلال خارجية وحسب ، بل إستقرت بداخله أيضًا قيود ، أشد قوة وأكثر ضراوة ، وهكذا أنجب هذا الفيل وخضع نسله لحياة الأسر داخل الحديقة التي خضع هو لها ، توجه إليّ المدير مؤكدًا ، أن الفيل الضخم الذي شاهدته بالحديقة ، هو من نسل الفيل الجد ، خضع لما خضع له السابقون ، وظن أن من طبيعة الأفيال أن تعيش مقيدة بالسلاسل ممنوعة من الحركة ، غافلاً عن حقيقة أن أفيال الغابات ، تجري وتمرح هناك بحرية كاملة ، لأن هذه هى فطرة الله التي فطر عليها الأفيال
... وإلى لقاء في الجزء الرابع والأخير إن شاء الله 
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق