مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 1 مايو 2025

شم النسيم 1 بقلم علوي القاضي

 «(1)»  شم النسيم  1

 ( من ذكريات الطفولة )

  بقلمي د/ علوي القاضي

... في هذا المقال لن أتكلم عن المناسبة في حد ذاتها (تأريخا) سواء البداية أوالأسباب ، وليس (تشريعا) سواء (تحليلا أو كراهة أو تحريما)

... ولكن كل من قرب من عمري أو تجاوزه ، لابد وأن تهيج عليه ذكرياته ، بحلوها ومرها ، وحلالها وحرامها ، في كل مناسبة تتكرر عليه كل عام ، وبالذات ذكريات فترة الطفولة والصبا والشباب ، وقبل الوصول لمرحلة الكهولة ، لما لها من أحداث ، تحفر علامات وٱثار في العقل الباطن ، لانستطيع محوها مهما حاولنا

... في هذا اليوم تذكرت كيف أن الأطفال يستيقظون منذ أن يسمعوا تغريد العصافير علي الأشجار ، ومنهم من لم ينم ليلته إنتظارا لبزوغ أول خيط من ضوء النهار ، ورغم ذلك فالشارع لم يستيقظ بالكامل بعد ، لكنني رأيت في أماكن معينة زحام الفتية الذين جاءوا من القرى المجاورة ، مثل كفر شبرا والحامول وسروهيت إلى بلدتي سرس الليان للنزهة ، بثيابهم الفاقعة لونها والتي تثير إعجاب الناظرين وتجلب لعيونهم الإجهاد ، ورأيت محلات الألعاب قد فتحت أبوابها ، وعلى الأبواب يقف البائع ليرش الشارع بالخرطوم أو بالإناء كاستفتاحية لإستقبال رزق يوم جديد ، وقد أعد ألعاب صغيرة رخيصة الثمن تناسب الأطفال الفقراء ، كل ذلك تحت ناظري ، وأنا متجه إلى الدرس الخصوصي عند أستاذي (ز . ش) (رحمه الله وطيب ثراه) فقد كنت ملتزما مع حضرته منذ الصف الأول الإبتدائي ، وحتى السادس الإبتدائي ، ولأن أستاذي الجليل (رحمه الله) أصر على أن نحضر لتلقي الدرس يوم (شم النسيم) ، فقد أراد أن يعلمنا درسا في السلوك ، فقد كان يعتبره يوما عاديا ، وكره أن يميزه عن باقي الأيام (كراهة) تصل إلى درجة (التحريم) ، فامتحان الإبتدائية (القبول) على الأبواب ، ولا وقت عندنا لهذا (اللهو والعبث) 

... وكان في بلدنا (سرس) محل واحد لبيع عصير القصب على الكوبري ، خلاف باعة الملانة والرنجة والفسيخ ، وكلهم قد قاموا بتشغيل ذلك الإختراع الجديد (الكاسيت) ، فتسمع صوت فريد الأطرش يغني للـ (الربيع) تسمع مقطع (ياورد يانسمة ياأغصان هاتولى من الحبيب كلمة ) ، وكنا نستكمل المقطع ، ونقول من باب الدعابة (هاتولي من الحبيب كلمة ، أحسن تليفوني عطلان) ، الأغنية مازالت ساخنة وطازجة لأن فريد الأطرش يغنيها دائما في هذه المناسبة من كل عام في حفل ساهر ، وكنا نجتمع أمام التليفزيون ماركة ( كاترون بنها) لنستمتع به بالأبيض والأسود 

... وحينما أذيعت لأول مرة في حفل أضواء المدينة ظللت جالسا أمام التلفزيون ليلاً بانتظار سماع الأغنية ، وعندما ظهر فريد الأطرش (يرحمه الله) ظل يتكلم عن الأغنية وصعوبتها كثيرًا جدًا ، ثم انفعل على الجمهور الذي يحدث ضوضاء ، وكان عصبيًا ، والحقيقة أن المرض جعله لايتحمل التوتر ، فقد كان يعاني من مرض ضعف بعضلة القلب وكان طبيبه يحضر معه خشية حدوث إنتكاسة على المسرح

... كانت ليلة (شم النسيم) منافسة دائمة بين (عبد الحليم حافظ) بأغانيه عن (الحب والربيع) ، فقد إرتبطت قصص الحب بالربيع وتفتح الزهور وصوت البلابل ، و (فريد الأطرش) الذي خلد الربيع بأغنيته الشهيرة تلك الرائعة عن الفصول (عاد الربيع عاد من تاني) ، وبشكل ما ، صارت هذه الأغنية هي ما يستجلب الربيع ، وكأنها صوت الربيع نفسه إذا تكلم تصديقا لقول الشاعر :

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا***من الحسن حتى كاد أن يتكلم

... بنفس الطريقة التي تشعر فيها بأن أغنية (رمضان جانا) هي صوت رمضان ، وهناك أغنية أخرى تدخل المنافسة لـ (سعاد حسني) (الدنيا ربيع والجو بديع) بجمالها وجمال إخراجها وألوانها البديعة حقا ، وللأسف لم تكن تذاع إلا في الربيع ، ولكن كان في إذاعتها مشكلة لي ولأقراني كلما سمعناها ، هي أننا كنا نعتبرها أغنية الإمتحانات لأنها تشعرك بضيق الوقت ، وتذكرنا بأن يوم بداية الإمتحان (ساعة الصفر) قربت ، حتي أنا أسميته (يوم المقصلة) وهذا لحرصي على إستمرار تفوقي ، ولكن ولفترة وجيزة تجاوزتها بأمان كانت هذه الأغنية تسبب تقلصًا في أحشائي ، ومازلت أتوتر حتى اليوم لدى سماعها برغم روعتها فأنا أعتبر نفسي كل يوم في إمتحان إستعدادا للٱخرة

... هكذا نمشي في الشارع وقد تضخمت الرومانسية عندنا ، ما أجمل أن توجد وتحتل المكان والزمان  ، وماأجمل أن يكون هناك غد

... وإلى لقاء في الجزء الثاني إن شاء الله

... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق