مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 26 يوليو 2025

قرية شنني التونسية بقلم محمد المحسن

 شنني*جوهرة جنوب تونس..حيث يمتزج التاريخ بالطبيعة في لوحة لا تُنسى. 


تتميز قرية شنني بولاية تطاوين بجمالية فريدة تعكس ثراء التراث الثقافي الأمازيغي وتنوع المناظر الطبيعية الصحراوية والجبلية.

و تشتهر شنني بمبانيها البربرية القديمة المصنوعة من الطين والحجر،والتي تتناغم مع البيئة الصحراوية.وتُستخدم هذه المباني تقليدياً للسكن ولتخزين المؤن.كما تتميز القصور بأسوار عالية وأبراج مراقبة،مما يعكس تاريخ المنطقة في مواجهة التحديات الأمنية قديماً.

هذا،وتُحيط بالمنطقة واحات خضراء توفر ظلالاً طبيعية وتضيف لمسة حياة إلى الصحراء..وبين الكثبان الرملية الذهبية والتكوينات الصخرية المتموجة،تشكل المناظر هنا لوحات فنية طبيعية، خاصة عند غروب الشمس.

بعيداً عن صخب المدن،تقدم شنني فضاءً مثالياً للاسترخاء والتأمل في بساطة الحياة الصحراوية الأصيلة.

تقع قرية شننّي بالجنوب الشرقي التّونسيّ،على نحو تسعة عشر كيلومترا جنوب مدينة تطاوين، وهي قرية تنتمي إلى مجموعة القرى الجبلة القديمة الشّاهدة على قدم الوجود البشري بهذه الرّبوع،وتنفرد شننّي بخاصيّة لا توجد بغيرها من القرى المجاورة مثل"قرماسه"و" الدّويرات" بأنها قرية مازالت تنبض بالحياة،فرغم إغراءات القرية البديلة (شنني الجديدة) التي توافرت فيها مرافق كثيرة فإنّ أغلب أهل هذه القرية أصرّوا على البقاء بقريتهم،واختار عدد آخر من الاهالي المحافظة على بيوتهم كجزء من تاريخ و ذاكرة الاجداد عبر صيانتها و ترميمها و الالتجاء اليها في بعض الأحيان.

وتعود أقدم مباني هذه القرية الأثرية إلى القرن 12م.وبقي معمار شنني شاهدا على نمط عيش أهل شننّي: قصر شامخ،معدّ للخزن،يتربّع على رأس الجبل تصطفّ به مئات الغرف ممتطية صهوات بعضها البعض.

ومن بين المعالم الأثرية المهمة بالمنطقة مسجد الرقود السبعة و هو موقع أثري تشير الأسطورة انه يحمل كل العلامات التي أشار إليها القران في سورة الكهف حول المكان الذي آوى إليه الفتية السبعة المذكورين في السورة،ناهيك و أنّ الشمس تزاور يومياً فتحة المسجد عن اليمين في الشروق، وتقرضه ذات الشمال إذا ما غربت،أي أنّ الشمس تميل عن فتحة الغار عند مشرقها ولا تصيبه عند الغروب..!

وإذا كانت حكمة المولى سبحانه وتعالى قد جعلت موقع أصحاب الكهف سرًّا لا يعلمه إلاّ الله فإنّ جهودا كثيرة قد بُذلت للكشف عن سرّ هذا اللّغز دون الوصول إلى نتيجة تشبع فضول الإنسان، وقد اختلف النّاس في شأن موقع هذا الكهف ولذلك فإنّه من الصّعب أن نثبت تطابق الموضع مع ما عرف عن أهل الكهف ولكنّ الحكاية المتداولة في الجهة تتحذّث عن واقعة قديمة في التّاريخ تشبه ما ورد من قصّة أهل الكهف إلى حدّ بعيد،ولعلّ وجود بقايا قرية رومانيّة بجهة «الفرش» تعرف باسم «دقيانوس» دفع النّاس إلى الاعتقاد بتطابق القصّة على هذا المكان.

كما أن صومعة المسجد أيضاً تميل بوسطها في انحناءة خفيفة نحو اتّجاه القبلة،و مكان المسجد يتوسط جبلين و ذلك يتطابق مع ما ورد في القرآن،وفق الأسطورة المتداولة.

هذا إضافة إلى انه من أقدم بيوت الله بالجهة وتحيط به اضرحة عدد من الأولياء الصالحين  وقبور كبيرة الحجم يتجاوز طولها 4 أمتار.

وتُعدّ منطقة شنني من الوجهات السياحية المفضلة بالجنوب التونسي لدى السياح لثراء مخزونها التراثي وتنوعه إضافة إلى توفر معالم تاريخية هامة على غرار البيوت الجبلية المحفورة في عمق الجبل بين طبقات الصخور ووفق حسابات فيزيائية و جيولوجية وجغرافية توفر الراحة و الامن و السلامة و الهدوء.

ولا تزال هذه القرية الشامخة،شموخ مرتفعاتها تحتفظ ببعض العادات والتقاليد البربرية في الأكل،اللباس،والاحتفالات.ويُعتقد أن سكانها من أحفاد الأمازيغ الذين استقروا في المنطقة منذ قرون..

ختاما أتساءل :كيف استطاع الآهالي الاستقرار والتأقلم  في  منطقة قاحلة و وعرة مثل قرية شنني؟ ولماذا اختاروا الإقامة  في  قمم الجبال؟ الجواب يكمن في الجسور،النظام المبتكر  للاحتفاظ بمياه الأمطار الشحيحة.هذه السدود الصغيرة من التراب  والحجارة،عديدة الطوابق عند سفح الجبل،تحبس مياه السيلان السطحية وتجعل زراعة المدرجات ممكنة  لتلبية احتياجات القرية.أما المنازل الكهفية،فإنها توفر جوا معتدلا في كل موسم.ميزة ثمينة في هذه المنطقة الجبلية الرائعة ذات  الصيف  الحار.ورغم   نمط حياتهم الريفي،فقد تمكن أبناء شنني من ابتداع حرف   تحظى بشعبية جارفة لدى الزوار على غرار نسيج  السجاد والشالات بألوان زاهية وزخارف دقيقة.

هي ذي تطاوين،حيث تتجلى الصحراء في أوج قسوتها.سهل حجري  شاسع ينفتح  على مشاهد طبيعية رائعة للجبال والهضاب المتصحرة والمنحدرات والقمم الصخرية.وفي هذا المشهد المهيب تبرز أبنية مذهلة،إنها  القصور المخازن المحصنة لبدو الصحراء.نفس الإعجاب يتجدد بالقرى البربرية القديمة المشدودة إلى  قمم الجبال،مثل قرية شنني موضوع هذا المقال..


محمد المحسن


*تعتبر قرية شنني من ولاية تطاوين من أفضل المناطق السياحية بالجنوب التونسي لما تحتويه من معالم أثرية وتاريخية سياحية على غرار القرية القديمة ومسجد ''الرقود السبعة'' والمعصرة القديمة.

 كما احتضنت العديد من التظاهرات الوطنية والعالمية وقد اختار عدد من الفنانين من مختلف أنحاء العالم تصوير أغانيهم بالمنطقة مستغلين جمال تضاريسها وطابعها الفريد من نوعه .

 وقد بادرت جامعة السياحة الأصيلة بإعداد ملف حول مميزات وخاصيات منطقة شنني وأبرز المواقع الأثرية والتاريخية فيها وإرساله إلى المنظمة العالمية للسياحة للمشاركة في المسابقة العالمية لاختيار أفضل قرية سياحية " Best tourisme village " وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة .

 وتكمن أهمية هذه المشاركة في أنها ستساهم في الترويج للسياحة المستدامة والتعريف بالمخزون السياحي الثري لولايات الجنوب الشرقي وخلق وجهة سياحية جديدة.

محمد المحسن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق