قد لا أجانب الصواب إذا قلت أن معظم الأدباء الكبار انطلقوا من كتابة الخاطرة،فهي فضاء يستوعب كلّ مَن يمتلك قلمًا ويريد أن يستمطر الكلمات والمعاني من سماوات وجدانه أو فكره، سواء كان كاتبا له صلة وثيقة بالكتابة أو عاشقا يتذوّق اللغة ويهوى التّعبير..! ورغم أنّ الخاطرة جنس أدبي له مزاياه وخصائصه وجماليّاته،فإنّها لم تأخذ مكانتها بين الأجناس الأدبية الأخرى،ولم تحظ بالدراسات النقديّة..
وربّما يُعدّ كتاب "خواطر" لعميد الأدب العربي "طه حسين" من أشهر الكتب التي قدّمت أدب الخاطرة للقارئ، في جزء منه تناول فيه انطباعاته وتقييمه لبعض القصص القصيرة والمقالات التي قرأها.. ومثله الكثير من الأدباء والشعراء العرب الذين لم تنقطع علاقتهم مع الخاطرة الأدبية مهما تعمّقوا وأوغلوا في نوع الأدب الذي اختاروا لأنفسهم السَّير في رحابه وامتهانه من شعر وقصّة ورواية..
في هذا السياق،هناك سر خفي آخر أود المرور عليه،وهو أن الكاتب حين يقرأ فهو يكتب في الوقت نفسه،يكتب في لا وعيه كل ما يتفق أو يختلف معه،لكي يظهر لاحقاً في سطوره دون أن يدري كيف حدث ذلك بالضبط.
فإذا كانت الكتابة قدراً فإن القراءة حرية،والكاتب الجيد من وجهة نظري هو الذي يجري مصالحة بين قدره وحريته..كالمصالحة التي أبرمها بعفوية مطلقة الكاتب الصحفي التونسي القدير نورالدين المباركي ( مراسل فرنسا 24)..وإليكم-خاطرته-التي خطها بمداد القلب..ورحيق القصيدة،ولكم حرية التفاعل والتعليق..
قديم أنا...لكن ما زلت أحيا في ذاكرة لا تشيخ
قديم كقلم على المكتب،لم يذق حبرا منذ عشرين صيفا،
قديم كورقة بيضاء انتظرت من يخطّ عليها سطرا،
فذبلت نضارتها وماتت في صمتها..قديم ككنش صغير منسيّ،يعلوه الغبار بين الكتب..
قديم...
كمذياع فقد صوته..وبقي جامدا في ركن الغرفة..
كحكاية تناقلها الرواة واحدا تلو الآخر،حتى لم يعد لها صاحب،وصارت للجميع...
قديم أنا...كأبي،مات وهو يكابر ولا يشتكي..
قديم كشدة حب أمي البسيط،الصادق،المطمئن،
كحبة تين وحيدة،معلقة أعلى الشجرة في آخر الموسم..
قديم...كطفل صغير يفرح بخدعة "بيضاء"،
كشيخ يحني رأسه ويداري دمعه في صمت..
قديم أنا..
لكن ما زلت أحيا في ذاكرة لا تشيخ..
(نورالدين المباركي-كاتب صحفي تونسي
مراسل فرنسا 24)
لقد أبدع الكاتب نورالدين المباركي في رسم هذه اللوحة الإبداعية ( الخاطرة/ قطعة نثرية ) بأسلوب سلس،لامس ذائقتنا الفنية،وداعب وجداننا،إذ أراها كتب بطريقة عفوية سريعةٍ خاليةٍ من الكُلفة والرَّهَق،ووفق نسق خاص في التعبير عن أحاسيسه ومشاعره وما يجيش في أعماقه من عواطف وأفكار..هذه اللوحة النثرية الموشحة بالإبداع صاغها الكاتب في عبارات مرتجلة،لا تكلف فيها ولا تعقيد،وكان فيها من الجمال اللغوي ما جعلها فنًّا جذَّابًا ومؤثِّرًا،وقعًا وإيقاعًا،وقد اعتمد الكاتب اعتمادً كبيرًا على شخصيته وثقافته الغنية وموهبته الفذة وأسلوبه السلس في آنٍ معًا.موحيا إلينا بمهارة بأن هذا اللون من الكتابة النثرية لا يخلو من جمال،وهو تعبير صادق عن المواهب والقدرات والمهارات الذهنية والنفسية والعقلية والوجدانية،مثله مثل غيره من فنون الإبداع.
وهذا النوعُ الأدبيُّ-في تقديري-يحتاج فيه الكاتب إلى الذكاء،وقوة الملاحظة،ويقظة الوجدان.وهو يتمشَّى مع الطابع الصحفي العام في الاهتمام بالأشياء الصغيرة السريعة،وتفضيلها على الكتابات المطوَّلَة.وأهميتها تأتي من أنها تستطيع لَفتَ القارئ إلى الأشياء الصغيرة في الحياة،التي لها دلالات كبيرة..
لك مني باقة من التحايا يا مبدعنا السامق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق