بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
ستيفاني، جويل، ساندرا — ثلاثُ فتياتٍ غربياتٍ مسيحياتٍ، يعملن في مؤسسةٍ تقع في بلدٍ وراء بحار الشرق. تجاوزن العشرين من أعمارهن، يعشن حياةً متحرّرة بلا قيود؛ لكلّ واحدةٍ شقّة منفصلة، وسهراتهن لا تنتهي، والخمر لا يغيب عن طاولاتهن، والعلاقات العابرة لا تُواجَه بأيّ تحفّظ. إن أعجبَتْ إحداهنّ رجلاً، عرضت عليه المبيت معها دون قيدٍ أو شرط.
كانت صاحبة العمل سيّدة يهودية تُدعى إليزابيث، في الخمسين من عمرها، عانسًا لا ترى في الحياة إلا إشباع غرائزها. تكره العرب، تمقت المسلمين، ولا توظّفهم أو تتعامل معهم، وكانت تتلذّذ بالنيل منهم كلما سنحت لها الفرصة.
تصادمت إليزابيث مرارًا مع الفتيات الثلاث مهما كان السبب، وبحثت عن أيّ ذريعة للتخلّص منهنّ، لكنّ القوانين كانت تكبّل يديها. وما زاد حقدها أنّ ملامحهنّ — الشعر الأسود والعينان الواسعتان — تشبه ملامح العرب الذين تكرههم.
على الرغم من ذلك، ظلّت الفتيات يؤدين عملهن بإتقان، يحافظن على الحدّ الفاصل بين حياتهن الخاصة ومسؤولياتهنّ المهنية، خلافًا لإليزابيث التي لم تعرف يومًا هذا التوازن.
في أحد الأيام، حضر شابٌّ وسيمٌ يبحث عن عمل. لم تُعِر إليزابيث ملفّه أهمية؛ فقد استأثر انتباهها مظهره الأنيق، قوامه الرياضي، وقميصه المعطّر. تحدّثت معه طويلًا، ثم قبلته فورًا.
سرعان ما أثبت الشاب — واسمه ميشال — كفاءته العالية، فاحترمه الجميع لخلقه الرفيع وابتسامته الهادئة. لم يتأخر يومًا، لم يتذمّر من مهمة، ولم يُخالف أمرًا. أحبّه العاملون، لكنّ إليزابيث كانت تغار عليه كطفلة، فمنعت الفتيات من الاقتراب منه.
حاولت استمالته بكل الوسائل؛ أغرته بالمال والمناصب والهدايا، لكنه ظلّ ثابتًا مؤدّبًا في رفضه. وحين فشلت، جربت الفتيات الثلاث بدورهنّ حظّهن معه، فخاب ظنّهنّ، وازداد فضولهنّ لمعرفة سرّ تمنّعه.
في إحدى ليالي عطلة آخر السنة ، قصدت الفتياتُ مسكنه بعدما عرفن عنوانه. أحضرن معهنّ الخمر والمخدّرات وبعض الأقراص. طرقن الباب مرارًا. وبعد لحظات، فتح ميشال الباب بلباس رياضي، مبتسمًا كعادته.
– ما خطبكنّ؟ وما الذي تحملنَه معكنّ؟
قالها بنبرة هادئة مضطربة في آن.
وضعت ستيفاني كفّها على خدّه وهمست:
– جئنا لنعيش الليلة معك… ليلةٌ لن تُنسى.
وأضافت جويل قرب أذنه:
– سنُريْكَ معنى السهر الحقيقي يا ميشو.
وأخذت ساندرا تعبث بأزرار قميصه قائلة:
– لن تجد في حياتك أفضل من ثلاث جواهر مثْلنا.
احمرّ وجهه، وارتجفت أطرافه، وخشي الفضيحة بين الجيران وهو المعروف بحسن سلوكه. توسّل إليهنّ أن يكففن عن هذا العبث، لكنهنّ تمادين، فاضطر لإدخالهنّ إلى الداخل لدرء الأسوأ.
جلسن حوله، فيما قال بحزمٍ مهذّب:
– أعلم أنكنّ تلاحقنني منذ مدة، لكنني لا أبادلكنّ الشعور. ما تطلبنه يتنافى مع أخلاقي وتربيتي…
ثم كشف لهن سرّه:
– أنا مثلكنّ في الهوية والدين، لكنني نشأت على مبادئ الإسلام. أبي مسلم، علّمني أن الحياة تقوم على العفة والكرامة، لا اللذة العمياء التي تصل إلى الحيوانية .
صرخت ستيفاني بعصبية:
– كفّ عن هذا الهراء! إمّا أن تلبي رغباتنا الآن… أو نتهمك بالاعتداء علينا! من سيصدقك؟ رجل وحيد مع ثلاث نساء؟ سيقولون إنك إرهابيّ أو مهووس أو معادٍ للتحرّر!
تجمّد مكانه، وبدأ العرق يتصبّب من جبينه. سمع في داخله صوت أبيه الراحل يهمس كعادته منذ سنوات مضت :
"إيّاك والوقوع في قبضة من لا يخاف الله… خلف الصبر جبرٌ يا بُني.لا وتخنع ولا تستسلم مهما كانت الظروف. "
ارتعش قلبه. أدرك أن الخطر أكبر مما تخيّل.
تظاهر بالاستسلام، ابتسم ابتسامة مصطنعة، وقال بصوت متماسك:
– فقط امنحنِي دقائق… سأعود حالًا ببعض الأمور الضرورية لهذه الليلة.
صفّقن فرحات، وظنن أنه استسلم أخيرًا. دخل غرفته، غيّر ملابسه بسرعة، رشّ العطر، وألقى عليهن بعض العبارات المطمئنة… ثم خرج.
بمجرد أن خرج من الباب، أحكم غلقه بالمفتاح من الخارج، وانطلق يعدو عبر الممرّ. وجد أوّل نزلٍ على الطريق، وحجز غرفةً للمبيت تلك الليلة. جلس هناك يلهث، يحملق في سقف الغرفة، يفكر في ما سيؤول إليه الأمر غدًا
أما الفتيات الثلاث، فبقين ينتظرنه إلى ساعة متأخرة من الليل؛ يخططن، يحلمن، ينسجن سيناريوهاتهنّ الحمراء، ويطرن في عالم الخيال… إلى أن خذلتهن أجسادهن، فغلبهنّ النعاس، واستسلمن إلى جبروت الموت الصغير.
وهكذا نجا ميشال من الورطة تلك الليلة… أمّا الغد، فله حساب آخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق