مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 27 يناير 2026

عرف عسكري وضعي بقلم يحيى محمد سمونة

عرف عسكري وضعي

وضع الرائد إسكندر - ضابط أمن الفوج - نفسه في ورطة يصعب الخروج منها، ذلك حين أمر العناصر المطعمة الخروج من المطعم بعد خلعهم ملابسهم! و ذلك في محاولة منه معالجة عصيان وقع داخل المطعم، حين رفض المجندون تناول طعام الغداء بحكم سرقته، و أن الكمية المتبقية منه لا تسد رمقهم

لم يكن أمر الضابط هذا بمستساغ لدى أفراد أخلصوا في خدمة العلم، ثم هو يتنطع و يأمرهم بخلع ملابسهم و الاصطفاف أمام المطعم باستعداد و ذل !!
[ قلت: بل ربما أوقع هذا الأمر الضابط أمام مساءلة القيادة له، كيف يطلب هكذا طلب من المحتمل أن تكون له تداعيات وخيمة ]

لكنه في محاولة منه إنقاذ الموقف تدخل ملازم أول - حضر للتو إلى صالة المطعم - و اقترح على الرائد التخلي عن مسألة الخروج بالشورت و بحسب العناصر الوقوف بصف منتظم خارج المطعم

[ طبعا فإن في العرف العسكري الوضعي - حيث تغيب معالم الديمقراطية - لا يحق لرتبة أدنى إبداء رأي أو مقترح بين يدي رتبة أعلى، غير أن الوضع هاهنا يتطلب تجاهل هذا العرف، إذ لا بد من إنقاذ الموقف و خروج الرائد من ورطته تلك ]

وافق الرائد على مقترح الملازم أول، و خرج جميع العناصر من المطعم و انتظموا في صف، و هم بحالة استعداد، و وجوههم نحو المطعم

جعل الرائد يطوف حول الصف المنتظم هذا، دون أن يتكلم بشيء ! ثم إنه ما لبث أن طلب من الرقباء و العرفاء أن يتجمعوا في صف مستقل يفصلهم عن سائر المجندين غير المتعلمين 

و بعدها، توجه الرائد نحو صف الضباط [ عرفاء، رقباء ] و بلهجة فوقية بدأ يتهددهم - باعتبارهم فئة متعلمة من المفترض فيهم أن يكونوا قدوة

[ قلت: و كان من واجب الرائد أن يطلب منا من يتكلم باسمنا لمعرفة مطالبنا و السبب الكامن وراء عصياننا هذا ]

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 115

*****
نظرات مريبة

في الوقت الذي انتظمنا فيه بصف واحد أمام المطعم بحسب ما طلب منا الرائد - إذ يعالج مشكلة إضرابنا عن الطعام - فإنه عاد ثانية و طلب منا الرائد أن نصطف أصحاب الشهادات في جهة، و من ليست لديه شهادة تعليمية في جهة ثانية

ثم توجه إلينا الرائد نحن أصحاب الشهادات بخطاب مفعم بتهديد و وعيد، باعتبارنا على وعي و ثقافة ولا يصح أن يصدر عنا سلوكا كهذا 

لكن ثمة خلل في ثقافة الرائد هذا باعتباره عقلية عسكرية وضعية خلت من أدب و منطق، فهو لا يحسن ولا يتقن لباقة الحديث ولا يفقه شيئا من دبلوماسية الكلام، ولا يكاد يستوعب ألمعية الفكر لدى طبقة مثقفة يخاطبها 

أساء الرائد إسكندر الأدب و هو يخاطبنا إذ وصفنا ببلاهة و غباء، متسائلا كيف يتجرأ أحدنا على تمرد في ثكنة عسكرية و كلنا يعلم أن عملا كهذا نتائجه وخيمة

و ليته سألنا الرائد - قبل أن يتبجح بكلماته تلك - عن سبب إضرابنا هذا، لكن العقلية العسكرية المتسلطة لا تفقه ولا تجيد لغة الحوار 

بلهجة صارمة حادة توعدنا - الرائد - بمحاسبة شديدة عما اقترفت أيدينا، و أنه سيعرف لاحقا أولئك الذين حرضوا على هذا العصيان و سيبلغ الشرطة العسكرية عنهم كل واحد باسمه

كان الرائد إسكندر خلال حديثه ذاك يرمقني بنظرات مريبة ولا يكاد يصرف نظره عني حتى يعود ثانية إلي بنظرات حادة، فكان بذلك يبعث في نفسي جملة من المخاوف التي تضطرب معها نفسي  

إنه هو هو الرائد الذي طلب مني يوم وصلت الفوج أن أحلق لحيتي و لم أفعل، و ربما خبأها لي فهو ينتظر لحظة مناسبة كي ينقض علي و يلبسني تهمة لم أكن بطلا لها 

و لقد رأيتني خلال حديث الرائد و نظراته تلك، أراجع نفسي ما إذا كنت قد ساهمت في تلك المعمعة داخل المطعم أو أن أحدهم لمح مني سلوكا اقترفته يداي دونما انتباه مني

صحيح أنني كنت متوازنا بحق خلال فترة وجودي في الفوج بحيث لا يمكن لأحد أن يتهمني بشيء، و لكن ذلك لا يمنع أن ينبري أحدهم متهما إياي بفعل لم أفعله و ذلك حرصا منه على إرضاء مشغلييه، عدا عن وجود أناس ينامون و يستيقظون على غل دفين في دواخلهم

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 116

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق