مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الاثنين، 12 يناير 2026

الْخَِلِيفَةُ الْمَهْدِي الْعَبّاسِي وَالشُّعَراءُ الْأَرْبَعَةُ بقلم لطفي منصور

أ.د. لطفي منصور
الْخَِلِيفَةُ الْمَهْدِي الْعَبّاسِي وَالشُّعَراءُ الْأَرْبَعَةُ:
كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْخَليفَةَ الْعَبّاسِيَّ الثّالِثَ محمّدًا الْمَهْدِيَّ لا يَقِلُّ صَرامَةً عَنْ والِدِهِ أَبي جَعْفَرٍ الْمَنْصورِ، حَتَّى قَرَأْتُ خَبَرًا في كِتابِ (الْمَحاسِنُ وَالْمَساوِئُ) لِلشَّيخِ إبْراهِيمُ ابنُ مُحَمَّدٍالْبَيْهَقِيُّ (ت ٣٢٠ هج) الَّذِي سَطَعَ نَجْمُهُ أَيّامَ الْخَليفَةِ الْمُقْتَدِرِ . وَهوَ غَيْرُ الْبَيْهَقِيِّ صاحِبِ مَوْسوعَةِ السُّنَنِ الْكُبْرَى.
مَعْلّوماتُنا عَنِ مَؤَلِّفِ الْكِتابِ شَحيحَةٌ، لَمْ يَتْرُكْ لَنا أَثَرًا غَيْرَهُ. وَهُوَ كِتابٌ ضَخْمٌ عَظُيمُ الْفائِدَةِ، في مَحاسِنِ الشَّخْصِيّاتِ وَسائِرِ الْأَشْياءِ وَمَساوِئِها، طُبِعَ نَصُّ الْكِتابِ في دار صادِر دونَ تَحْقيقٍ أَوْ مُقَدِّمَةٍ أَوًْ شَرْحٍ يُعَرِّفُ بِالْكِتابِ وَمُؤَلِّفِهِ.
دامَتْ خِلافَةُ الْمَهْدِيِّ عَشْرَ سَنَواتٍ، وَهوَ والِدُ الْخَليفَتَيْنِ الْهادِي والرَّشِيدِ. وَكانَ مُحِبًّا للِشًِّعْرِ مُقَرِّبًا لِلشُّعَراءِ وَالْأُدَباءِ وَالْعُلَماءِ، شَديدَ الْبَطْشِ بِالزَّنادِقَةِ.
يَعُودُ الْفَضْلُ في حُبِّهِ لِلشِّعْرِ إلى والِدِهِ الْمَنْصورِ. فَقَدْ أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ الْعَرَبِيَّةَ وَتاريخَ الْعَرَبِ، خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الشُّعُوبِيَّةِ عِنْدَما كانَ وَلِيًّا لِلْعَهْدِ، فَاسْتَقْدَمَ لَهُ عالِمَيْنِ ، هُما عالِمُ الْعَرَبِيَّةِ الْمُفًَضَّلُ الضَّبِيُّ الَّذي عَلَّمَهُ القصائِدَ الْمَعْروفَةَ بِالْمُفَضَّلِيّاتِ، وَهِيَ مِنْ عُيُونِ الشِّعْرِ الْعَرَبيي.
أَمّا الْمُعَلِّمُ الثّاني فَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ إسحاقَ بنِ يَسار صاحِبُ السًِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّريفَةِ.
كانَ الْخَليفَةُ الْمَهْدِي في الْمَدينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ شُعَراءَ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لَهُمْ. وَهُمْ: الْمُغِيرَةُ ابنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزوميُّ (فَقِيهُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفاةِ مالِكِ ابنِ أَنَسٍ صاحِبِ الْمُوَطَّأِ ، (ت ١٨٨هج) وَأَبُو السًائِبِ، وَالْعُثْمانِيُّ بنُ لُؤْلُؤِ الرَّطْب، وَابْنُ أُخْتِ الشّاعِرِ الْأَحْوَصِ.
قالَ الْمَهْدِي لَهُمْ أَنْشِدوني.
فَأَنْشَدَ الْمُغِيرَةُ: مِنَ الطّاويل
وَلِلنّاسِ بَدْرٌ في السَّماءِ يَرَوْنَهُ
                وَأَنْتَ لَنا بَدْرٌ عَلى الْأَرْضِ مُقْمِرُ
فَبِاللَّهِ يا بَدْرَ السَّماءِ وَضَوْءَهُ
                 تَزالُ تُكافِي عُشْرَ ما لَكَ أَضْمُرُ
(أَقْسَمَ الشّاعِرُ أنَّ الْخليفَةَ يُكافِئُ بَعُشْرِ ما لَهُ وَيراهُ قَليلًا)
وَما الْبَدْرُ إلّا دُونَ وَجْهِكَ في الدُّجَى
               يَغِيبُ فَتَبْدُو حِينَ غابَ فَتُقْمِرُ
وَما نَظَرَتْ عَيْنِي إلى الْبَدْرِ ماشِيًا
           وَأَنْتَ فَتُمْسِي في الثِّيابِ وَتُسْحِرُ
(البَدْرُ لا يَمُشي لِيَتَفَقَّدَ رَعِيَّتَهُ، أمّا أَنْتَ فَتَمْشِي بِلِباسِكَ مُتَفَقِّدًا إلى السَّحَرِ)
وَأَنْشَدَ ابْنْ أُخْتِ الْأَحْوَصِ: بَحْرُ الْبَسيط
قالَتْ كِلابَةُ: مَنْ هَذا فَقُلْتُ لِها
                 أَنا الَّذِي أَنْتِ مِنْ أَعْدائِهِ زَعَمُوا
إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأَحْرَضَنِي
                 حَتَّى بَلِيتُ وَحَتَّى شَفَّنِي سَقَمُ
(الْبَيْتانِ لِلْعَرْجِي في ديوانِهِ (ص ٣١٣) أَحَدِ شُعَراءِ الْمَدِينَةِ الْكِبارِ الْغَزِلينَ كَالْأَحْوَصِ وابنِ الرُّقَيّاتِ وَابْنِ رَبيعَةَ. وَهُما مِنْ قَصيدَةٍ ضَمَّتْ ثَمانِيَةً وَثَلاثينَ بَيْتًا مَطْلَعُها:
حُورٌ بَعَثْنَ رَسُولًا في مُلاطَفَةٍ
           ثَقْفًا إذا أَسْقَطَ النَّسّاءَةُ الَوَهِمُ
لَجَّ: أَلَحّ، أَحْرَضَني: أَسْقَمَني، شَفَّني: أَنْحَلَنِي)
وَأَنْشَدَهُ الْعُثْمانِيُّ الْمَخْزُومًِيُّ: 
رَمَى الْقَلْبُ مِنْ قَلْبي االسَّوادَ فَأَوْجَعا
                فَصاحَ فَصِيحٌ بِالرَّحًِيلِ فَأَسْمَعا
(الْأَبْياتُ الثَّلاثَةُ الْأولَى مَنْسُوبَةٌ لِلْمُغِيرَةِ الْمَخْزوميِّ الْمَذْكُورِ سابِقًا، وهي في ديوانِهِ. الظّاهِرُ أَنَّ الْتِباسًا حَدَثَ في الْأَسماءِ عِنْدَ طِباعَةِ مَخْطُوطَةِ كِتاب المحاسن والْمَساوِئ. القَلْبُ فاعِلُ رَمَى، السَّوادَ مَفْعًولٌ بِهُ. أَصْلُ الْكَلامِ: رِمَى الْقَلْبُ السَّوادَ مَنْ قَلْبِي. الْقَلْبُ لِلْمَمْدُوحِ)
وَغَرَّدَ حادي الْبَيْنِ وَانْشَقَتِ العَصا
              فَأَصْبَحْتُ مَسْلُوبَ الْفُؤادِ مُفَجَّعا
(اِنْشَقَّتْ عَصا الْقَوْمُ: اِخْتَلَفُوا وَتَفّرَّقُوا)
كَفَى حُزَنًا مِنْ حادِثِ الدَّهْرِ أَنَّنِي
              أَرَى الْبَيْنَ لا أَسْطِيعُ لَلْبَيْنِ مَدْفَعا
(كَفَى: فِعْلٌ ماضٍ فاعِلُهُ الْمَصْدَرُ الْمُؤَوّل مِنْ أَنّ وَاسْمِها وَخبَرُها، تَقْدِيرُهْ رُؤْيَةُ، حَزَنًا: تَمْييزٌ مَنصوبٌ)
وَقَدْ كُنْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ بِالْبّيْنِ جاهِلًا
                           فَيا لَكَ بَيْنًا ما أَمَرَّ وَأَوْجَعا
(ما أَمَرَّ: ما التَّعَجُّبِيَّةُ، وَهِيَ نَكًِرَةٌ تامَّةٌ مَعْناها شَيْءٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتِدَأٌ، أَمَرَّ: فِعْلٌ ماضٍ لِلتَّعَجُّبِ، وَفاعِلُهُ ضَميرٌ مُسْتَتِرٌ يَعودُ إلى ما، وَالْججُمْلَةُ الْفِعْلًِيَّةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ لِما)
وَأَنْشَدَ أًَبو السّائِبِ: مِنَ الطَّويل
أَصِيخا لِداعِي حُبِّ لَيْلَى فَيَمِّما
            صُدُورَ الْمَطايا نَحْوَها فَتَسَمَّعا
(أَصاخَ: رَكّزَ السَّمْعَ وَالِانْتِباهَ، يَمِّما: وَجِّها، نَحْوَها: الضَّميرُ يَعُودُ إلى لَيْلَى)
خَلِيلَيَّ إنْ لَيْلَى أَقامَتْ فَإنَّنِي
              مُقِيمٌ، وَإنْ بانَتْ فَبِينا بِنا مَعَا
(خَلِيلَيَّ: الْخِطابُ لِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُمْ كانُوا لا يَخْرُجُونَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةٍ، بانَتْ: فارَقَتْ)
وَإِنْ إنْثَنَتْ لَيْلَى بِرَبْعٍ يَحُوزُها
                   قَعِيدَكُما بِاللَّهِ أَنْ تّتَزَعْزَعا
(المَعْنَى: إنْ غَيَّرَتْ لَيْلَى وُجْهَتَها إلى مَكانٍ آخَرَ فُهُوًَ يُقْسِمْ عَلَيْهِما أنْ لا يَهْتَزّا بَلْ يُواصِلا إلَى وُجْهَتِها. القَعيدُ: الْمُضْنَى وَالقاعِدُ عَنِ السَّيْرِ)
لَوْ تَأَمَّلْنا الْأَبْياتَ نَفْهَمُ أَنَّ الْمَهْدِي لَمْ يَكُنْ هَمُّهُ الْمُديحَ وَإنَّما الشِّعْرُ. وَقَدْ أغْدَقَ على الْأَرْبَعَةِ مالًا وافِرًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق