مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 22 يناير 2026

دوس فرامل «[|]» بقلم علوي القاضي

«[|]» دوس فرامل «[|]»
من ذكرياتي : د/علوي القاضي .
... قديما كان كل طبيب يحرص علي تحقيق الخمسة ( ع ) ، عيادة . عمارة . عروسة . عربية . عزبة ، كل الزملاء يحرصون عليهم إلا أنا ، لأن فلسفتي في الحياة كانت تختلف عنهم ، لكنهم قالوا أن الطبيب يجب أن يملك سيارة ، وكنت أعتقد أن الطبيب هو الذي يكشف على المريض وليس سيارته لكنهم أكدوا لي أنني أحمق لأن السيارة تمثل للطبيب (بريستيج)
... منذ ثلاثين عاما كان من سوء حظي أنني تعلمت قيادة السيارات ، وفعلت هذا مضطرًا ، هكذا إضطررت آسفًا لشراء السيارة حماية لي من تنمر الزملاء ، واضطررت آسفًا لتعلم القيادة
... إستعنت بصديق لي كان يملك سيارة أجرة ، تواضعا منه تولى مهمة تعليمي ، قاد السيارة إلى منطقة قرب الحقول ، ثم ترجل وطلب مني أن أجلس أمام عجلة القيادة ، وقال لي بلهجة صارمة غير قابلة للنقاش ، (دوس على البنزين والدبرياج معًا ، ثم عشق السرعة الأولى وارفع قدمك ببطء عن الدبرياج ، وزود البنزين ، ثم إنتقل للسرعة الثانية هيا !) وجلس بجانبي يراقبني
... كل هذا واضح ، لكني لا أعرف ما هي السرعة الأولى ولا الثانية ، ولا أعرف ما هو (الدبرياج) ، هذا المتسرع يعتقد أنه يكلم متسابق سيارات ، فلو كنت بهذه البراعة ماطلبته ليعلمني ؟!
... بعد حوار في النهاية تحركت السيارة ، أطلق التهليل وامتدح براعتي وكأنني أقود السيارة وكأنني أقودها منذ قرن  
... بعد برهة من الزمن شعر أننا لا نتقدم للأمام ، وبرعب لاحظ أن السيارة ترجع للخلف ، وازداد رعبا عندما أدرك أن حفرة كبيرة توجد خلف السيارة !
... فجأة ، أخذ يصرخ في هيستريا ، (دوس فرملة ! ، لا تضغط بنزين ! ، شد فرملة اليد ! ، توقااااااااف !) ، شرحت له في هدوء ونحن نواصل الرجوع للخلف والسقوط في الحفرة ، أنني لا أعرف مكان الفرملة ، ولا أعرف أين فرملة اليد هذه ، ولأن أعمارنا طويلة ولايزال لنا في الدنيا ماننجزه ، عاد لصوابه بسرعة فشد فرملة اليد في اللحظة الأخيرة ، ثم سقط مغشيًا عليه 
... على كل حال ، واصلت الدروس معه متحملا عصبيته ، وجاء اليوم الذي قال لي فيه ، أنني صرت مؤهلًا لأمشي في الطرقات وحدي ، ولم يعبأ بالقدر الذي ينتظرني 
... هكذا قررت أن أبدأ وحدي تجربة القيادة ، ركبت السيارة وانطلقت
... في البداية لاحظت أن هناك صفًا طويلًا من السائقين المتوترين يمشون خلفي ولا يكفون عن إطلاق آلة التنبيه ليحثونني على زيادة السرعة ، فقد كنت أعتقد أن السير بالسيارة يعتمد على إستعمال السرعة الأولى فقط ، كانت النتيجة هي أن السيارة إرتفعت حرارتها ، وبدأ الدخان الأبيض يتصاعد من الرادياتير ، فاضطررت للتوقف ، مما أرغم عشرات السيارات على التوقف في صف خلفي
... ولسبب ما راح كل سائق عصبي يبرز من سيارته ويشد شعره ويلوح بقبضتيه 
... إنتهت مرحلة التعلم وبدأت مرحلة التركيز في القيادة ، كلما قابلت صديقًا يقف على الطريق ، يقول إنه لوح لي بالأمس ، لكني لم أراه ولم أسمعه لأني كنت منهمكًا في القيادة
... لسبب ما يعتقد هؤلاء أن عليّ أن أقود السيارة فلا أنظر أمامي أبدًا ، بل أتلفت يمينًا ويسارًا بلا إنقطاع بحثًا عن أصدقائي المتناثرين على جانبي الطريق 
... ذات مرة لوح لي أحدهم وهو يقف على جانب الطريق فملت مباشرة لأقف أمامه 
وأنا ألوح بذراعي ، سمعت صوت حديد يتحطم وصوت فرامل تصرخ ، نظرت للخلف فوجدت نحو ثلاث سيارات قد أصطدمت ببعضها ، والسبب هو أن المتسرع الذي يقود السيارة خلفي توقف فجأة ، هكذا أركبت صديقي وانطلقنا تاركين ثلاثة سائقين يتبادلون السباب واللكمات ، ومن باب الدعابة سألت صديقي عن سبب شجار هؤلاء ، فقال لي بلهجة غامضة ، هناك مثل إنجليزي يقول ، (You can't learn old dog anew trike)(أنت لا تستطيع تعليم كلب عجوز حيلة جديدة !)
... لكنني لم أفهم علاقة هذا المثل بسؤالي فأنا لم أر كلبًا عجوزًا في مكان الحادث ، يبدو أن الجميع لايستطيعون الإجابة على أسئلتي الصعبة 
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق