مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الجمعة، 16 يناير 2026

إجازات مدفوعة الثمن بقلم يحيى محمد سمونة

إجازات مدفوعة الثمن

غادرت الفوج، متأبطا إجازتي، متوجها نحو حلب الشموخ، ركبت حافلة نقل "هوب هوب" من دمشق إلى حلب [ يطلق على ذاك النوع من الحافلات اسم "هوب هوب" لأن معاون السائق فيها لا يكاد يصمت قليلا حتى يناديه أحد الركاب طالبا النزول فيلتفت المعاون إلى السائق طالبا منه التوقف قائلا له: "هوب هوب نزل" - أي توقف كي يتمكن الراكب من النزول - ]

على الرغم من أن السفر بتلك الحافلات فيه من المشقة ما فيه غير أن الراكب لا يزال سعيدا بسفره ذاك لما يحمله في صدره من أحلام و أمنيات و توق للقاء الأهل و الأحبة

بجانبي كان يجلس أحد العساكر الذي سرعان ما تعرفت عليه، و شرعنا نتجاذب أطراف الحديث على سبيل تمضية الوقت و دفعا للملل

قال مرافق السفر هذا: هل حصلت على إجازة ؟ قلت: نعم، هي عشرة أيام [ قلتها بفرح شديد ]
قال: هل هي مدفوعة الثمن ؟ قلت: بل هي نتيجة تفوقي في اختبارات الرياضة. قال: الإجازات عندنا تظل مدفوعة الثمن.

[ هذا هو الحال في عموم وحدات الجيش السوري آنذاك و ليس كل ضابط في ذلك الجيش يمكنه منحك إجازة أو يسمح لك بمغادرة وحدتك العسكرية ما لم يكن ضابطا علويا، لأن أي ضابط آخر لا يمكنه تحمل مسؤولية عنصر لا أحد يعلم مالذي يكون منه أو يجري له بعد مغادرته وحدته تلك]

قلت لمرافقي في السفر: كان الكثير من العساكر عندنا يدخلون غرفة الضابط و يضعون على مكتبه "المعلوم" [ كان لكل يوم إجازة له ثمنه ] و يحصلون على الإجازة وفقا للتسعيرة المتعارف عليها، و قلت لمرافقي: أما أنا فلست من أولئك، فالدين الحق لا يبيح ذلك البتة. و أما إجازتي هذه فالكل يعلم أنني تفوقت في الاختبارات و أنه لا يمكن التلاعب فيها أو التغاضي عنها

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 111
***
تباريح عساكر /1981/

قلت لمرافقي في السفر - من دمشق إلى حلب - على متن باصات الهوب هوب - الشعبية صناعة و ركابا - قلت لذاك المرافق - و نحن نتحدث سوية في مسألة الإجازات مدفوعة الثمن تلك التي تستنزف مال العسكر رغم ما هم عليه من سوء حال - قلت له: دعنا من مسألة الإجازات و سأحدثك عن بعض وقائع مريرة في فوجنا المحترم، و ما تحمله تلك الوقائع من دلالات حول طريقة تعامل المؤسسة العسكرية السورية - آنذاك - مع أفرادها و عناصرها و مجنديها 

ترقى قائد الفوج العميد / ع.ع/ ليصبح مديرا لإدارة الإشارة، لكنه قبل أن يغادر الفوج متوجها نحو مركزه الجديد اختص لنفسه بقطعة أرض متاخمة للفوج جعل منها مزرعة له، و تم فرز عددا من عناصر الفوج للقيام بأعمال تلك المزرعة من بناء للسكن أشبه ما يكون بالقصور الفاخرة، و تم فرز مهندس زراعي هو من منتسبي الفوج للاهتمام بأمر المزروعات و نباتات الزينة و غير ذلك.

ذات يوم و كالعادة تم من طريق إذاعة الفوج مطالبة العناصر المطعمة بالتوجه إلى المطعم لتناول طعام الغداء

بالفعل، اجتمعت العناصر المطعمة أمام المطعم، و غدت تنتظر ظهور الملازم الذي سيسمح لها بالدخول إلى المطعم بعد أن يقدم مساعد الإطعام الصف له، لكن المساعد و الملازم لم يظهرا، و بدأ الجميع يتساءل عن سر هذا التأخير 

قال أحدهم: يا شباب لقد شاهدت قبل قليل عددا من سيارات الرانج تدخل مزرعة العميد ! و أتوقع أن ذاك هو سر هذا التأخير في دخولنا المطعم. و قال آخر: يا شباب، منذ مدة ليست ببعيدة صادفتنا مثل هذه الحالة، و حين دخلنا المطعم فوجئنا باختفاء الدوسير من على الطاولات [ الدوسير هو الفاكهة الملحقة بطعام الغداء ] 

و بعد طول انتظار دخلنا المطعم لنجد اختفاء لحم الفروج المطبوخ الذي يضاف عادة إلى قصعة الرز أو البرغل [ كان في الأسبوع الواحد يضاف لحم الفروج عن يوم واحد، و لحم الضآن عن يومين ] 

- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 

إشراقة شمس 112

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق