بقلم: فؤاد زاديكي
تُعدُّ النٌميمةُ من أخطر الآفات، التي تنخر في عظام المجتمعات، فهي ليست مجرّد نقلٍ عابرٍ للحديث، بل هي مِعْول هدمٍ يستهدف روابط المودّة ويقوّض أركان السلم الأهلي. إنّ النمّام في جوهره يمثل شرًّا يستهدف تماسك المجتمعِ، حيث يتحوّل لسانه إلى أداة لإشعال الفتن، يمشي بالقول كالنّار في مواقدها، فيهدم صروح الودّ، التي بُنيت عبر السنين. إنّ هذه الوشاية تمثل سُمًّا زعافًا يتسلّل إلى منابع الصّدق، فتغتال الطّهر وتُحيي الغلّ في النفوس، وكم من علاقة وطيدة بين الأخلّاء تمزّقت وصار أصحابها أباعد لمجرد كلمةٍ سِيقت بغرض الإفساد. ومن وجهة نظر تاريخية واجتماعية، ترمي النميمة بسهم مسموم في مقتل النسيج الاجتماعي، فتجعل الصفّ متفرّقًا والجمع شتاتًا، إذ تبني سجونًا من الأوهام تُكبّل العقل عن إدراك الحقائق، مما يؤدي إلى تفكُك البنيان، الذي لا يقوم إلّا على الثّقة المتبادَلة.
ولمواجهة هذا الخطر، يترتّب على المرء أن يكون حارسًا وفَطِنًا، فالمسؤولية تبدأ من "أدب الاستماع" قبل "أدب القول"، وذلك عبر وأد الوشاية في مهدها وعدم السماح للأقاويل بالمرور عبرنا إلى الآخرين. إنّ النُجاة تكمن في أن يحفظ الإنسان لسانه ويتحرُى الدّقة، فالكلمة أمانة، وفي صونها صونٌ للوطن وللإنسان. علينا أن ندرك أنُ "ناقل الكفر ليس بكافر، لكنّ ناقل الفتنة شريكٌ فيها"، لذا فإنّ ترويض اللسان على طيب القول، وتدريب النفس على حُسن الظنّ، هما السدُ المنيع أمام محاولات التمزيق. إنّ المجتمع القويُ هو الذي يُعلِي من قيمة المصارحة بدلاً من المداجاة، ويستبدل الوشاية بالنصيحة المباشرة، فبذلك نُغلق الأبواب أمام المتربّصين ونحمي ميثاق المواطنة الصالحة من التآكل، فالمرء مَنْطِقُه، وبصون الكلمة نُحيي مجتمعًا يسوده الحبّ واليقين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق