مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 1 فبراير 2026

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود
طارق غريب يكتب :
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ، والشجرة تنمو ولا تحتج ، والحيوان يتحرك داخل دائرة حاجته ولا يشعر بالحاجة إلى تفسيرها. أما الإنسان ، فوجوده يبدو له دائماً ناقصاً ما لم يُرفق بمعنى ، وكأن مجرد التنفس لا يكفي ، وكأن القلب لا يطمئن إلا إذا عرف لماذا ينبض ، وإلى أين يتجه هذا النبض في نهاية الطريق.
الغريب أن الإنسان لا يكتشف الوجود خارج نفسه أولاً ، بل يكتشف نفسه كعبء من الوجود. يستيقظ ذات يوم ليشعر أن وجوده ليس حقيقة بسيطة ، بل مسألة مفتوحة ، سؤال بلا علامة استفهام واضحة. هو هنا ، نعم ، لكنه لا يعرف على وجه الدقة ماذا تعني كلمة ' هنا ' ، ولا لماذا لم يكن ' هناك ' أو ' في زمن آخر ' أو ' بصورة أخرى ' . هذا الشعور الأولي بالغرابة هو بذرة الفلسفة الحقيقية : الدهشة التي لا تبحث عن إجابة سريعة ، بل عن اتساع أعمق للسؤال.
الوجود لا يظهر للإنسان كهدية ، بل كمسؤولية. أن تكون موجوداً يعني أن تكون مطالباً بشيء لا تستطيع تحديده بدقة. كأن الحياة عقد غير مكتوب وقّعت عليه قبل أن تتعلم القراءة. أنت مطالب بأن تعيش ، لكن لا أحد يسلمك دليل الاستخدام. تمشي ، تتعثر ، تنهض ، وتكتشف بالتدريج أن الطريق لا يُرسم مسبقاً ، بل يتكون تحت قدميك مع كل خطوة.
ربما أخطر ما في وعي الإنسان بوجوده هو إدراكه للزمن. الحيوان يعيش في لحظة ممتدة ، أما الإنسان فيعيش ممزقاً بين ما كان وما سيكون. الماضي يثقله بالذكريات ، والمستقبل يربكه بالاحتمالات ، والحاضر يضيق به لأنه لا يبقى حاضراً إلا لبرهة. هكذا يصبح الوجود تجربة هشة : نحن لا نعيش اللحظة كما هي ، بل نعيش ظلها ، أو قلق زوالها ، أو حنيننا إليها قبل أن تفلت من بين أيدينا.

ومن هنا ينشأ ذلك الشعور الغريب بأن الإنسان دائماً متأخر عن نفسه. حين يفهم تجربة ما ، تكون قد انتهت. وحين يحاول أن يمسك معنى لحظة ، تكون قد صارت ذكرى. كأن الوعي يلهث خلف الحياة ولا يلحق بها إلا وهي تتحول إلى حكاية. ومع ذلك ، لا يملك إلا أن يستمر في المطاردة ، لأن التوقف عن السؤال يعني التوقف عن أن يكون إنساناً.
الوجود في ذاته قد يكون صامتاً ، لكن الإنسان يملؤه بالكلام. ليس لأن الكلام يشرح الوجود ، بل لأنه يخفف من ثقله. نحن نحكي لأن الحكاية تجعل الفوضى قابلة للاحتمال ، وتجعل الألم قابلاً للقول ، وتجعل الموت نفسه أقل وحشية حين نضعه داخل جملة. اللغة ليست أداة وصف فقط ، بل وسيلة دفاع ، بها نحتمي من اتساع العالم ، ونرسم حدوداً لما لا حدود له.
و تبقى فجوة لا تردم بين ما نعيشه وما نستطيع قوله. هناك دائماً شيء يفلت : إحساس غامض ، خوف بلا اسم ، فرح لا يُترجم ، حزن لا يكفيه قاموس كامل. هذه الفجوة هي الدليل على أن الوجود أوسع من وعينا ، وأن الإنسان ، مهما توسّع فكره ، سيظل يسكن حافة سر لا يُكشف كله.
الإنسان لا يعاني فقط لأنه موجود ، بل لأنه يعرف أنه موجود. المعرفة هنا ليست نعمة خالصة ولا نقمة خالصة ، إنها سيف ذو حدين. أن تعرف أنك فان يعني أن كل لحظة تكتسب قيمة ، لكنه يعني أيضاً أن كل شيء مهدد بالزوال. هكذا يعيش الإنسان في مفارقة قاسية : هو يتشبث بالحياة لأنه يعرف أنها تنتهي ، ويتألم من نهايتها لأنه يحبها.
ولا يبدو أن الإنسان يريد الخلود بقدر ما يريد المعنى. لو كان الخلود فارغاً من المعنى ، لصار عبئاً آخر من أعباء الوجود. ما يخيف الإنسان ليس النهاية وحدها ، بل أن تكون الرحلة بلا دلالة ، أن يكون كل هذا الجهد وكل هذا الحب وكل هذا الألم مجرد حركة عمياء في فراغ أصم.
هنا تظهر الحرية كأثقل هبة في الوجود الإنساني. أن تكون حراً لا يعني أن تفعل ما تشاء ، بل أن تكون مسؤولاً عمّا تفعل. الحرية لا تُعفي الإنسان من القلق ، بل تضاعفه ، لأنها تضعه أمام نفسه بلا أعذار جاهزة. أنت تختار ، إذن أنت تتحمل. أنت تقرر ، إذن أنت تواجه نتائج قرارك. لا يمكنك أن تختبئ طويلاً
خلف القدر أو الظروف أو الآخرين دون أن تشعر في قرارة نفسك بأنك تهرب من حقيقتك.ض١
فالإنسان لا يعيش وحده. الآخر ليس إضافة ثانوية إلى الوجود ، بل هو مرآته الأكثر قسوة وصدقاً . في وجه الآخر نرى حدودنا ، وفي صوته نسمع صدى أسئلتنا ، وفي ألمه نكتشف هشاشتنا المشتركة. ربما لا نفهم أنفسنا حقاً إلا عندما نراها ترتجف في عين إنسان آخر. هكذا يصبح الوجود الإنساني شبكة من العلاقات ، لا مجرد جزيرة معزولة من الوعي.
لكن العلاقة بالآخر ليست سهلة. فيها الحب وفيها الصراع ، فيها الاعتراف وفيها الإنكار ، فيها الرغبة في القرب وفيها الخوف من الذوبان. نحن نحتاج الآخر لنكتمل ، ونخافه لأنه يهدد صورتنا عن أنفسنا. هذا التوتر ليس عرضاً جانبياً ، بل جزء من نسيج الوجود الإنساني نفسه.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو : ما الوجود؟ بل : كيف نعيش فيه؟ الوجود لا يقدم نفسه كمعادلة تُحل ، بل كتجربة تُعاش. والإنسان لا يُطلب منه أن يصل إلى جواب نهائي ، بل أن يتحمل شرف السؤال ، وأن يمشي في الطريق وهو يعرف أن الطريق لا يقوده إلى يقين كامل ، بل إلى وعي أعمق بهشاشته وبكرامته في آن واحد.
فالإنسان كائن يمشي بين هاويتين : هاوية العدم وهاوية المعنى. وفي هذا المشي المرتجف ، في هذه المحاولة الدائمة لصنع معنى من زمن يتسرب ، تتجلى كرامته الحقيقية. ليس لأنه وجد جواباً ، بل لأنه لم يتوقف عن السؤال. ليس لأنه امتلك الوجود ، بل لأنه تجرأ على أن يعيشه بعيون مفتوحة ، وقلب مكشوف ، وروح تعرف أن قيمتها ليست في النجاة من الفناء ، بل في أن تترك أثراً إنسانياً صغيراً في هذا الاتساع الغامض الذي نسميه : الوجود.
طارق غريب - مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق