مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأربعاء، 25 فبراير 2026

نور السماء بين الأرض والسماء بقلم ماهر اللطيف

نور السماء بين الأرض والسماء
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳 

كانت نور السماء تُقبل على الجميع بوجه منفتح؛ تبتسم لهذا، وتلوّح لتلك، ترقص حينًا مع أمّها وقريباتها، وحينًا آخر مع عبد الرؤوف.

تُطيل النظر أحيانًا في وجوه بعض الغرباء الذين حضروا تلك الليلة إلى قاعة الأفراح لإحياء حفل زفافها به، كأنها تحاول حفظ الملامح أو فكّ لغزٍ غامض.

الموسيقى الصاخبة تنبعث من آلات الفرقة، والزغاريد تتعالى من كل صوب، تختلط بالتهاني والتبريكات وسائر المظاهر المألوفة في مثل هذه المناسبات. كل شيء يوحي بفرحٍ مكتمل، لولا أن نور السماء لم تكن، في حقيقة الأمر، تشبه سائر العرائس.

كانت قد غادرت مقاعد الدراسة منذ سنوات بعد أن تجاوزت السنّ القانوني المسموح به، إثر رسوب متكرر في الفصل نفسه. كانت تستقبل الكلام بوجه مطمئن، تهزّ رأسها موافقة، دون أن يكون للفهم نصيب يُذكر.

وحين تُسمّر عينيها في أحد، تطيل التحديق دون رمش، فيرتبك من أمامها، حتى شاع بين المقرّبين منها أن في نظرتها حدّةً تُربك وتوقع أصحابها في حرجٍ مفاجئ.

ومع ذلك، لم يرَ عبد الرؤوف في كل ذلك ما يَحول دون الافتتان. كان يقول، كلما استُعيدت الحكاية، إن الحب أعمى.

تعرّف عليها قبل قرابة سنة في معرض للأثاث، حيث كان يعرض منتجات مصنعه الصغير. جاءت يومها لمعاينة بيت جلوس، فاوضته في السعر مطولًا، قبل أن يغرم بها على غير توقع، ويمدّ لها بطاقته.

توالت الاتصالات بعد ذلك، ولم يلتقيا إلا مرات قليلة، في بيت عائلتها، بحضور أمّها أو من ينوب عنها.

حين جاء وقت التصوير، صعد الأهل والأصدقاء المقربون إلى المنصة. دبّ التوتر فجأة، وتبادلت العائلتان نظرات متحفزة، ثم كلمات مقتضبة، بسبب ترتيب الصور، كما حصل سابقًا عند مائدة الأكل.

لكن السهرة استأنفت مجراها، وعاد الرقص والغناء، وتحوّل الموقف إلى ضحك عابر، خصوصًا عندما أعجبت نور السماء بحذاء إحدى الراقصات، فأطالت النظر إليه حتى التوت قدم الفتاة وسقطت فجأة، وسط ضحك الحضور.

مع انتصاف الليل، بدأ التعب ينال من الجميع، وشرع المدعوون في مغادرة القاعة جماعات.

أمسك عبد الرؤوف يد نور السماء ليضع خاتم الزواج في إصبعها، وهمس في أذنها بكلمات قصيرة. احمرّ وجهها، تسارعت أنفاسها، وأحست بحرارة تسري في جسدها.

بحثت بعينيها عن أمّها وأختها رؤى، رفعت حاجبيها نحوهما متسائلة، فابتسمتا وصفّقتا مشجعتين.

فجأة، ارتعد جسدها. جذبت يدها بعنف، وصفعته دون سابق إنذار.

ساد الصمت، وتوقفت الفرقة عن العزف، وقفزت أمّها إلى الركح، تبعتها العائلتان، والدهشة تعلو الوجوه.

رمقها عبد الرؤوف بنظرة حادة، شتمها أمام الجميع، وهمّ بردّ الصفعة بأخرى، لولا أن أمسكه والده بقوة محاولًا شلّ حركته.

انفجرت نور السماء بالبكاء والصراخ، ثم قالت، بعد إلحاح الجميع:

– قال لي إنه سيقضي معي ليلة حمراء… سينال مني كما يشتهي.

ساد وجوم ثقيل، قطعه صوت أمّها الخافت:

– وما العيب في ذلك يا ابنتي؟ أليس من حقه؟

صرخت نور السماء:

– كيف ذلك؟ هل سأذهب إلى بيت رجل غريب؟ هل سأبيت الليلة بعيدًا عن عائلتي؟

ضحك بعض الحضور، فيما حاول عبد الرؤوف احتواء الموقف، فاحتضنها قائلًا:

– أنا زوجك، على سنة الله ورسوله. سنذهب إلى منزلنا ونبدأ حياتنا.

دفعت صدره بعناد:

– لا! لن أترك عائلتي، سأعود معهم الآن.

تأرجحت حالتها بين الضحك والبكاء، بين النفور والارتماء في حضنه، بين نظرات حادة تُربك من حولها، ورأس مطأطأ يستجدي الطمأنينة.

ومع اقتراب الفجر، خفَتَت الأصوات، وفرغت القاعة إلا من العروسين والعائلتين.

رفضت نور السماء مرافقة زوجها مرة أخرى، لا صراخ هذه المرة، بل بإصرار صامت. كانت تهزّ رأسها فقط، وتنظر تارة إلى أمّها، وتارة إلى عبد الرؤوف، كأنها تنتظر جملة لم تُقل، أو معنى لم يصلها بعد.

اقترب منها عبد الرؤوف، مدّ يده بحذر، فترددت، ثم تركتها معلّقة في الهواء، لا تمسكها ولا ترفضها.

تقدّم الجميع خطوة، ثم تراجعوا خطوة أخرى، عاجزين عن الفهم.

وحين انفتح باب القاعة على خيوط الصباح الأولى، كانت نور السماء ما تزال هناك، بثوبها الأبيض، لا إلى بيت أهلها عادت، ولا إلى بيت زوجها مضت.

بين الأرض والسماء علّقت حياتها،

وبين كلمتين لم تُفهما بعد، ظلّ الزواج واقفًا…

مثل خاتمٍ لم يُعرف بعد في أيّ إصبعٍ يُلبس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق