بقلم/نشأت البسيوني
في زوايا الحياة المزدحمة يظل هناك نوع من النفوس لا يتغير مهما تبدلت الظروف ولا يتلوث مهما ازدادت الصراعات ولا يفقد ملامحه حتى لو خاض اقسى التجارب فهذه النفوس تعيش بثبات غريب لا تهزه العواصف ولا تكسره المتاعب ولا تغيره المواقف لان اصلها عميق متجذر في قيمها وفي نيتها وفي نقائها فهي النفوس التي لا تتخلى عن حقيقتها مهما حاول الواقع ان يجبرها على الانحناء
ومهما حاولت الدنيا ان تدفعها الى الزيف فهي لا تعرف التخلي عن ثباتها ولا تتقن ارتداء الاقنعة لانها خلقت بنقاء لا يحتاج الى تزويق ولا يحتاج الى تمثيل ومع مرور الايام يتكشف للانسان ان النفوس الصادقة لا تتعلم الصدق من احد بل تولد به ولا تكتسب الوفاء من تجارب بل تحملّه في داخلها ولا تتظاهر بالقوة عندما تتحمل ولا تتصنع الضعف عندما تتألم لانها لا تملك الا ان تكون على طبيعتها
مهما حدث ومهما تبدل الناس حولها فالنفس التي تعرف قيمتها لا تتغير لاجل احد ولا تنحرف لتنال رضا احد ولا تسمح للحظة غضب او خوف ان تحرفها عن اصلها لان الثبات جزء منها وليس قرارا مؤقتا وفي خضم العلاقات البشرية تتضح الصورة اكثر حين تظهر النفوس على حقيقتها في المواقف التي لا تحتمل التمثيل فهناك من يبتسم وهو يحمل نية سيئة وهناك من يتظاهر بالمحبة وهو يخفي
حسدا وهناك من يتحدث بعطف وهو يضمر قسوة لكن النفوس الاصيلة تظهر بلا مجهود وبلا محاولة لان الخير فيها تدفق طبيعي لا يحتاج لتجميل والطيبة فيها فعل تلقائي لا يحتاج لتخطيط والوفاء فيها عادة لا يشترط مقابلا وهذه النفوس حين تعطي تعطي بصدق وحين تعد تفي وحين تقف تقف بثبات لانها لا تعرف طريقا اخر غير طريق الحقيقة ومع تعاقب السنين يدرك الانسان ان
اغلى ما يمكن ان يصادفه في حياته هو نفس لم تغيرها الدنيا ونفس ظلت على نقائها رغم الجراح ونفس احتفظت باصلها رغم ما واجهته من خذلان لان هذه النفوس نادرة كنداوة الصبح في قلب القيظ وكضياء شمس لا يحجبه غبار وكعطر يبقى حتى بعد غياب صاحبه وهي التي تمنح للحياة معنى وللمواقف قيمة وللقلوب طمأنينة لانها تمنح ما لديها بصدق ودون انتظار مقابل تبقى
النفوس الاصيلة هي التي تصنع فرق الحياة وهي التي ترفع قدر الانسان وهي التي تترك اثرا لا ينسى لانها لا تعيش لنفسها فقط بل تترك بصمة في كل قلب تقترب منه وتبقى شاهدة على ان العالم مهما تغير ومهما ازدادت فيه الاقنعة سيظل فيه نفوس نادرة لا تخون اصلها ولا تتخلى عن حقيقتها ولا تفقد نقاءها مهما حاولت الدنيا ارهاقها
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق