( قراءة اجتماعية وإعلامية في ظاهرة مسكوت عنها)
بقلم: فؤاد زاديكي
ظاهرة الاعتداء الجنسي داخل الأسرة، والتي يشار إليها أحيانًا بمصطلح “زنا المحارم”، تعدّ من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية وتعقيدًا في جميع المجتمعات وهي قديمة قِدَم التاريخ. من المهمّ أوّلًا التمييز بين عدّة مفاهيم يجري الخلط بينها كثيرًا في النقاشات العامة، خصوصًا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. فهناك فرق واضح بين الاعتداء الجنسي داخل الأسرة، وهو جريمة تحدث عندما يعتدي أحد الأقارب المُحرّمين مثل الأب أو الأخ أو العمّ على طفل أو قاصر داخل العائلة، وبين الزواج بين الأقارب مثل أبناء العمومة، وهو أمر مختلف تمامًا من الناحية الدينية والقانونية في معظم المجتمعات الإسلامية ولا يندرج ضمن مفهوم زنا المحارم. كما أنّ كثيرًا من النقاشات في الإنترنت تميل إلى المبالغة أو التعميم اعتمادًا على قصص فردية أو غير موثّقة، ما يجعل صورة الظاهرة أحيانًا أكثر انتشارًا مما تعكسه البيانات العلمية.
الدراسات الجنائية والبحثية التي تناولت الاعتداءات الجنسية تشير إلى أنّ جزءًا من هذه الجرائم يحدث داخل إطار الأسرة. بعض الدراسات التي حلّلت ملفات قضايا الاعتداء الجنسي في بلدان مختلفة وجدت أنّ نسبة من الحالات يكون المعتدي فيها أحد أفراد العائلة. وتُشير هذه الدراسات إلى أنّ أكثر الأنماط التي تظهر في التحقيقات الجنائية هو اعتداء الأب على ابنته، يليه في بعض الحالات اعتداء الأخ على أخته، ثم اعتداءات قد يقوم بها العمّ أو الخال أو أحيانًا زوج الأم أو شريك أحد الوالدين. يفسّر الباحثون هذا النّمط بعدّة عوامل، منها أنّ الأب غالبًا يمتلك سلطة كبيرة داخل الأسرة، كما أنّ وجوده الدائم في المنزل يمنحه إمكانية الوصول إلى الضحية بسهولة أكبر مقارنة بالأشخاص خارج العائلة. كما أنّ الأطفال قد يخافون من التبليغ بسبب السلطة الأبوية أو التهديد أو الخوف من تفكّك الأسرة. إضافةً إلى ذلك، قد يلجأ بعض المعتدين إلى تخويف الضحية أو إقناعها بأنّ أحدًا لن يصدّقها، ما يؤدّي إلى استمرار الاعتداء لفترة طويلة دون كشفه.
تُشير دراسات الطبّ النفسي وعلم الاجتماع أيضًا إلى أنّ كثيرًا من الضحايا لا يبلّغون عن الاعتداءات بسبب الخوف من الفضيحة أو العار الاجتماعي، خاصة في المجتمعات المُحافظة التي تعتبر القضايا الجنسية من المحرّمات الاجتماعية. لهذا السبب يعتقد الباحثون أنّ الأرقام المسجّلة في الإحصاءات الرسمية تمثّل فقط جزءًا من الواقع، لأنّ عددًا كبيرًا من الحالات قد يبقى مَخفيًّا داخل العائلة. وقد تناولت وسائل الإعلام في بعض الدول العربية قضايا صادمة تتعلّق باعتداءات داخل الأسرة، مثل قضايا اعتداء الأب على بناته أو حمل القاصرات نتيجة اعتداءات عائلية، وقد أثارت هذه القضايا نقاشًا مجتمعيًّا حول ضرورة تعزيز حماية الأطفال وتشجيع الضّحايا على التبليغ. ظهرت مثل هذه القضايا في تقارير إعلامية في عدّة دول عربية مثل مصر والسعودية والمغرب والأردن وتونس، لكنّ ظهورها في الإعلام لا يعني بالضرورة أنّ هذه الدول تشهد نُسَبًا أعلى من غيرها، بل قد يكون السبب ببساطة أنّ تلك الحالات كُشِفت إعلاميًّا أو وصلت إلى المحاكم.
تُوضّح الدراسات الدولية أنّ الاعتداء الجنسي داخل الأسرة ليس ظاهرة مرتبطة بثقافة أو دين معيّن، بل يُوجد في جميع مناطق العالم. تقارير منظمات دولية مثل World Health Organization وUNICEF تُشير إلى أنّ نسبة من الأطفال في العالم يتعرّضون لشكل من أشكال الاعتداء الجنسي قبل سنّ الثامنة عشرة، وأنّ جُزءًا من هذه الاعتداءات يحدث داخل الأسرة أو على يد أشخاص مُقرّبين من الطفل. في أمريكا الشمالية وأوروبا تظهر نُسًب أعلى في الإحصاءات مقارنة ببعض المناطق الأخرى، ويرجع ذلك إلى وجود أنظمة قويّة لحماية الأطفال، وقوانين تُلزم المدارس والأطباء بالإبلاغ عن أيّ اشتباه في الاعتداء، إضافة إلى وجود مراكز دعم مُتخصّصة تُشجّع الضّحايا على التّحدث عن تجاربهم. في المقابل، تُشير الدراسات إلى أنّ البيانات في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أو بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء أقلّ دقّة، ليس بالضرورة لأنٌ الجريمة أقلّ انتشارًا، بل لأنّ التبليغ عنها أقلّ بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية أو ضعف أنظمة الحماية القانونية.
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تشكيل تَصوّر الناس عن هذه الظاهرة. فالمُحتوى الصادم بطبيعته يَنتشر بسرعة ويجذب التفاعل، ولذلك تنتشر القصص المرتبطة بالتّابوهات الاجتماعية بشكل واسع على منصات مثل X (formerly Twitter) وTikTok التابعة لشركات مثل Meta Platforms وغيرها. كما أنّ بعض القصص المتداولة تكون مجهولة المصدر أو غير موثّقة، لكن؟ طبيعتها الصّادمة تجعلها تنتشر بسرعة كبيرة، ما قد يخلق انطباعًا بأنّ الظاهرة أكثر انتشارًا ممّا هي عليه في الواقع. كذلك يحدث كثيرُا خلط بين مفهوم زنا المحارم وبين الزواج بين الأقارب، وهو خلط يزيد من سوء الفهم حول الموضوع. في الوقت نفسه ساهمت حملات اجتماعية مثل MeToo movement في كسر الصمت حول الاعتداءات الجنسية وتشجيع بعض الضحايا على مشاركة تجاربهم، ما أدّى إلى كشف قضايا كانت مخفية لسنوات طويلة.
بشكلٍ عامّ يتّفق الباحثون على أنّ الاعتداء الجنسي داخل الأسرة يرتبط غالبًا بمجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية مثل العنف الأسري، الإدمان، التفكّك العائلي، الفقر، أو وجود خلل في التوازن السلطوي داخل الأسرة. ومع ذلك فإنّ وجود هذه العوامل لا يعني بالضرورة حُدوث الجريمة، بل هي عوامل قد تزيد من احتمالية ظهورها في بعض الحالات. الخلاصة التي تؤكدها معظم الدراسات هي أنّ هذه الجريمة موجودة في جميع المجتمعات البشرية، وأنّ الفارق بين الدول في الإحصاءات يعود غالبًا إلى اختلاف مستوى التبليغ ووجود أنظمة حماية فعّالة للأطفال، وليس بالضّرورة إلى اختلاف حقيقيّ في انتشار الظّاهرة نفسها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق