مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 3 مارس 2026

الحُرِّيَّةُ هِيَ أَنْ تَعِيشَ كَمَا تُرِيدُ بقلم عَبْدُ الرَّحِيم الشُّوَيْلِي

"الحُرِّيَّةُ هِيَ أَنْ تَعِيشَ كَمَا تُرِيدُ."
— إيبيكتيتوس

قِصَّةٌ قَصِيرَة

الحُرِّيَّةُ كَمَا يَرَاهَا سَلَام...
لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ «سَلَام» مُنَاسِبًا لِمَا حَدَثَ لَاحِقًا.
سَافَرَ فِي أَوَاخِرِ الثَّمَانِينِيَّاتِ إِلَى اسكندنافيا، يَحْمِلُ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً بُنِّيَّةً، وَأَحْلَامًا أَكْبَرَ مِنْ مِعْطَفِهِ الصُّوفِيِّ.
هُنَاكَ تَعَرَّفَ إِلَى جِيلٍ يُؤْمِنُ أَنَّ الكَوْنَ يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ بِأُغْنِيَةٍ، وَأَنَّ الرَّأْسْمَالِيَّةَ مَرَضٌ جِلْدِيٌّ يُعَالَجُ بِالرَّقْصِ الجَمَاعِيِّ.
فِي السَّنَةِ الأُولَى رَسَبَ.
فِي الثَّانِيَةِ اكْتَشَفَ مُوسِيقَى Bob Dylan.
فِي الثَّالِثَةِ صَارَ يَكْتُبُ عَلَى الجُدْرَانِ:
نَحْنُ أَسْرَى النَّسَقِ المُهَيْمِن.
We are prisoners of the dominant paradigm.
وَيُرَدِّدُ فِي المَقْهَى:
— الاِسْتِهْلَاكُ هُوَ العُبُودِيَّةُ الجَدِيدَةُ.
Consumerism is modern slavery.
ثُمَّ يَعُودُ إِلَى غُرْفَتِهِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي دُفِعَ إِيجَارُهَا مُقَدَّمًا مِنْ حوالة وَالِدِهِ.
قَالَتْ لَهُ زَمِيلَةٌ دَنْمَارْكِيَّةٌ:
— الحُرِّيَّةُ مَسْؤُولِيَّةٌ.
فَأَجَابَ بِثِقَةٍ مُسْتَعَارَةٍ:
— لَا… الحُرِّيَّةُ إِحْسَاسٌ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— وَالإِحْسَاسُ لَا يَدْفَعُ الفَوَاتِيرَ.
عَادَ فِي التِّسْعِينِيَّاتِ بِشَعْرٍ أَطْوَلَ قَلِيلًا، وَشَهَادَةٍ نَاقِصَةٍ، وَشِعَارَاتٍ كَامِلَةٍ.
فِي المَقْهَى قَالَ لِأَصْدِقَائِهِ:
— عَلَيْنَا تَفْكِيكُ البِنْيَةِ السُّلْطَوِيَّةِ.
We must deconstruct the power structure.
فَسَأَلَهُ كَاظِم:
— ابدأْ بِنَفْسِكَ أَوَّلًا.
وَقَالَ مَرَّةً:
— الوَقْتُ أَدَاةُ قَمْعٍ نَاعِمَةٌ.
Time is a subtle tool of oppression.
فَرَدَّ صَدِيقُهُ:
— لِذَلِكَ تَتَأَخَّرُ دَائِمًا؟
كَانَ يَمْشِي بِبُطْءٍ فَلْسَفِيٍّ فِي شَارِعٍ لَا يَحْتَمِلُ البُطْءَ.
يَتَحَدَّثُ عَنْ إِسْقَاطِ الأَنْظِمَةِ… وَيُخْفِضُ صَوْتَهُ عِنْدَ نُقْطَةِ التَّفْتِيشِ.
وَيَقُولُ:
الهُوِيَّةُ سِجْنٌ لُغَوِيٌّ.
Identity is a linguistic prison.
لَكِنَّهُ حِينَ يَسْأَلُهُ البَقَّالُ عَنْ اسْمِهِ لِتَسْجِيلِ الدَّيْنِ، يُجِيبُ فَوْرًا:
— سَلَام… ابْنُ مَحْمُود.
مَاتَ الأَبُ.
وَبَقِيَ الدُّكَّانُ مُغْلَقًا.
وَقَفَ سَلَام أَمَامَ اللاَّفِتَةِ القَدِيمَةِ، وَتَأَمَّلَ الغُبَارَ وَالقُفْلَ الصَّدِئَ.
هَمَسَ:
— التَّمَرُّدُ فِعْلٌ وُجُودِيٌّ.
Rebellion is an existential act.
ثُمَّ أَضَافَ:
— وَالعَمَلُ أَيْضًا.
فَتَحَ الدُّكَّانَ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، وَهُوَ يَزِنُ السُّكَّرَ، قَالَ لِشَابٍّ مُتَحَمِّسٍ:
— الحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الاِلْتِزَامِ، بَلِ اخْتِيَارًا وَاعِيًا لَهُ.
Freedom is not the escape from responsibility, but the conscious choice of it.
فِي اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ يُغْلِقَ الدُّكَّانَ، يَجْلِسُ وَحِيدًا.
لَا يَلْعَنُ النَّسَقَ المُهَيْمِن.
لَا يَتَّهِمُ الوَقْتَ بِالقَمْعِ.
يَنْظُرُ إِلَى يَدَيْهِ المُتْعَبَتَيْنِ… وَيَبْتَسِمُ.
لَقَدْ فَهِمَ أَخِيرًا:
الحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ شِعَارًا عَلَى جِدَارٍ.
وَلَيْسَتْ بَيَانًا فِي مَقْهًى.
الحُرِّيَّةُ أَنْ تَتَحَمَّلَ نَتَائِجَ اخْتِيَارِكَ…
حَتَّى لَوْ كَانَ اخْتِيَارُكَ أَنْ تَبِيعَ السُّكَّرَ… بِنِصْفِ سُكَّر....!!.

القاص
د. عَبْدُ الرَّحِيم الشُّوَيْلِي
القاهرة 
2.فبراير.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق