مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

التبعية العمياء بقلم عبدالفتاح الطياري

التبعية العمياء... طاعةٌ بلا بصيرة
في قرية "الأزلام"، عاش رجلٌ كفيفٌ يُدعى "سالم" في بلادٍ تحكمها سلطةٌ ظالمةٌ لا تلتفت إلا لمصالحها الضيقة. ورغم فقده لبصره، كان سالم أكثر الناس حماسةً في الدفاع عن هذه الحكومة؛ فكلما ارتفعت أصوات الناس شاكيةً من الظلم، كان يصرخ فيهم بتعصب: "أنتم لا ترون ما أراه! الحكومة عادلةٌ وكريمة!".
تعجب أهل القرية من حاله؛ كيف لرجلٍ لا يبصر أن يفتي في عدلٍ لا يراه؟ لكن سالماً لم يكن وحيداً، فقد التف حوله نفرٌ سمّوا أنفسهم "أصحاب القفة"، يكررون أقواله كالببغاوات، مغيبين عقولهم عن كل حقيقة. فإذا سلبت الحكومة قوت يومهم، قالوا: "لا بد أن في ذلك حكمةً خفية!"، وإذا زجت ببريءٍ في غياهب السجون، هتفوا: "لعله استحق العقاب ونحن لا نعلم!".
مرّت الأيام، وتفاقمت المصائب؛ غرق الناس في الفقر، واستشرى الجوع، وفاح الظلم في كل زاوية، لكن "أصحاب القفة" ظلوا يسبّحون بحمد السلطة، حتى تساووا مع قائدهم في العمى؛ عمى البصيرة الذي لا دواء له.
وحين سقطت الحكومة أخيراً، اكتشف الموالون أنهم عاشوا حياتهم في ظلامين: ظلام العيون، وظلام العقول. وقف سالم وسط ساحة القرية يرتجف خوفاً، يفتش بيده عن أتباعه، يلتمس منهم العون، لكنهم انفضوا عنه كأنهم لم يعرفوه يوماً، وانصرف كلٌ منهم يحمل شتات أمره، باحثاً عن ذاته التي أضاعها في سراديب التبعية.
اقترب منه مسنٌ حكيم، ووضع يده على كتفه قائلاً: "يا سالم، لم يكن عيبك أنك لا تبصر بعينيك، بل كان عيبك أنك رهنت قلبك وعقلك لمن لا يرحم".
في تلك اللحظة، انهمرت دموع سالم؛ فقد أدرك وللمرة الأولى أن العمى الحقيقي لم يكن في عينيه، بل في ضميره الذي أصابه الشلل. وفي ليلته تلك، جلس وحيداً أمام أطلال القرية، يقصّ على طفلٍ مشردٍ حكاية "الموالي الأعمى"، قائلاً: "يا بني، إن الإنسان إذا سلّم عقله لغيره، صار كالحمار يحمل أسفاراً، لا يفهم منها شيئاً ولا ينتفع بها. لا تكن أعمى البصيرة وإن كنت مفتوح العينين، فليس أخطر على الأمة من أعمى العقل الذي يزيّن للظالم ظلمه، ويُسكت المظلومين عن حقهم".
أُجبر سالم ومن بقي من أتباعه على الرحيل. مشوا في الصحراء يتخبطون في عتمة الطريق، وكلما تعثر أحدهم وسقط، تذكر كيف كانت القرية تسقط بسبب غبائهم وصمتهم. وحين خيّم عليهم الجوع والخوف في نهاية المطاف، صرخ أحدهم بمرارة: "ليتنا فكرنا قبل أن نتبع أعمى البصيرة!".
لكن الندم -كما هو شأنه دائماً- جاء متأخراً بعد أن حلّ الخراب.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق