مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الاثنين، 20 أبريل 2026

في كلّ مرة كنتُ أكتب فيها بقلم رضا محمد احمد عطوة

في كلّ مرة كنتُ أكتب فيها،
كنتُ أستعيد قطعة منّي ضاعت في زحمة التنازلات.
كنتُ أكتُب لا لأروي الحكاية،
بل لأداوي الطعنات،
وأجمع شظايا أنثى مزّقوها باسم العيب والواجب والقدر.

أعدتُ قراءة رسائل قديمة كنتُ أكتبها لنفسي،
أحلام كنتُ أرسمها في دفاتر ملوّنة،
كنتُ أكتب أنني أريد أن أُسافر،
أن أدرس علم النفس،
أن أرقص تحت المطر،
أن أكون امرأة تعرف كيف تقول "لا" من دون أن ترتجف.

لكن كلّ هذا سُرق منّي.
لا أحد علّمني كيف أقول "لا"،
ولا أحد درّبني على أن أكون نفسي،
كلّ ما تعلّمته أن أكون نسخة مطيعة من امرأة لا تشبهني.

وذات ليل، بعد أن نام أولادي،
وقفتُ أمام مرآتي،
نظرتُ إلى وجهي جيدًا…
هل هذه أنا؟
تجاعيد مبكّرة رسمها الحزن،
عيون فقدت بريقها،
شفاه اعتادت الصمت أكثر من الابتسام.

لكن خلف كل هذا،
كانت هناك امرأة تقف شامخة،. ر
تتنفّس للمرة الأولى كأنها خرجت من موتٍ طويل،
امرأة قالت لنفسها: "أنا أستحق."

ومن تلك اللحظة،
بدأت أبحث عن "ريدا " القديمة،
التي تحبّ الحياة،
التي تعشق الكتب والموسيقى،
التي تفرح حين ترتدي فستانًا تحبه،
وتشعر بالدهشة حين ترى وردة في طريقها.

بدأت أغيّر،
بخطوات بسيطة، لكن واثقة:
قرأت كتابًا… غيّرني.
كتبت قصة… شفتني.
رفضتُ أمرًا لا يليق بي… فشعرتُ بالحرية.

بدأت أعيش من جديد،
لكن هذه المرة، بوعيٍ كامل…
امرأة اختارت أن تكون "نفسها"،
وليس ما أراده الآخرون لها.
كثيرًا ما يظنّ الناس أن المرأة حين تصمت، تكون قد رضيت،
لكنهم لا يعلمون أن الصمت هو المرحلة التي تسبق الانفجار…
ذلك الانفجار الذي لا يداوي بالصراخ،
بل يبدأ بهدوء…
حين تقرر المرأة أن تتغيّر.

كنتُ أدخل كل يومٍ معركةً داخل نفسي:
أقاوم رغبتي في الصراخ،
أخمد نيران الغضب بداخلي،
أبتلع دموعي أمام أطفالي…
لكني كنت أنزف.

كنتُ أستيقظ في الصباح،
أعدّ الفطور، أرتب المنزل، أتابع دروس أولادي،
أبتسم للجيران،
لكن بداخلي كانت هناك امرأة تسير على الرماد حافية.

أمي كانت تقول لي دائمًا:
"المرأة القوية لا تبكي أمام أحد،
لكنها تبكي في سجدة."
فكنتُ أسجد… وأبكي.
كنتُ أناجي الله بدموع صامتة:
"يا رب، لا أريد شيئًا… فقط أن لا أنكسر أكثر."

وفي أحد الأيام،
وبينما أرتب خزانة أطفالي،
سقطت صورةٌ لي من بين الأوراق،
كنت فيها طفلة… أبتسم،
عيني تلمع كأنها تشرب الضوء،
تلك الصورة كانت صفعة…
أين ذهبت هذه الطفلة؟

عدتُ أبحث عنها،
لا بين الأوراق… بل في قلبي.

مرّت الأيام ببطءٍ ثقيل،
كل يومٍ يمرّ، كان يعمّق جرحًا آخر في داخلي،
لكنني كنت أخفيه،
أرسم على وجهي ابتسامةً مزيفةً،
وأكمل حياتي كما لو كانت تسير بشكل طبيعي.
كنت أقاتل نفسي لأبقى صامدة.

كلما حاولت الحديث عن أحلامي،
عن رغباتي، عن حقّي في الحياة،
كان الصمت هو الجواب الوحيد.
ذلك الصمت الذي صار رفيقي،
رفيقًا لا أستطيع الفرار منه.
رغم ألمي، كنت أظلّ صامتة.

ذات مساء، كان الجو في الخارج حارًّا،
وكنت أجلس وحدي في غرفتي،
مُتعبةً من سلسلة الأحداث التي تتوالى.
شعرتُ بشيءٍ ما يشدّني،
فقررتُ أن أكتب.
كتبتُ عن نفسي، عن كل شيءٍ يخنقني.
بدأت الكلمات تنساب،
تغسل أوجاعي،
تفتح لي نافذة على العالم.

كتبت:
"أنا لستُ مجرد امرأة تُعامل ككائنٍ مَرَضيّ،
ولا كآلةٍ تصنع الحياة للآخرين وتنسى نفسها.
أنا إنسانةٌ مثل كل من في هذا العالم،
أستحق الحب،
الاحترام،
الحرية،
والسلام الداخلي."

وبينما كنت أكتب،
شعرت بشيءٍ جديد ينمو بداخلي،
كان الأمل.
لكن الأمل وحده لا يكفي،
يجب أن أتحرك،
يجب أن أغير شيئًا في حياتي.

حان الوقت لأن أُعيد بناء نفسي.
لا، لن أكون تلك المرأة التي تتحمل كل شيء بصمت.
سأكون امرأةً قويةً قادرةً على صنع فرقٍ في حياتها.

بعد أن قررت أنني لن أعيش حياة الخوف، قررت أن أواجه كل شيء بشجاعة. لم يكن الأمر سهلًا، فكل خطوة كانت تمثل تحديًا جديدًا لي. شعرت أنني على مفترق طرق بين أن أظل في مكاني، أقبل بالظلم، أو أن أبحث عن ضوء يخرجني من الظلام الذي عشته طيلة هذه السنوات.

لقد عشت سنواتٍ طويلةً في حالة من الجمود، وكان كل شيءٍ يمر وكأنني أعيش حياة شخص آخر، لكن الآن، أدركت أنني أنا من أملك مفاتيح التغيير. في البداية، كان من الصعب أن أخبر نفسي أنني أستحق أكثر من هذا. كنت أظن أنني محكومة بالقدر، لكنني اكتشفت أنني يمكنني أن أكون صانعة قدري.

بدأت أولى خطواتي في إعادة بناء نفسي بأن أُعيد التواصل مع نفسي. بدأت أستعيد ذكرياتي ، أفرغ شحنات الألم التي كانت قد تراكمت لسنوات طويلة. أكتب، أقرأ، وأحلم كما لو أنني أعيش من جديد. كنت أجلس مع نفسي في صمت، وأطرح عليها أسئلة كانت قد ضاعت مني في زحمة الحياة. ماذا أريد؟ ما الذي يجعلني سعيدة؟ ماذا سأفعل في المستقبل؟

لقد تعلمت أنني بحاجة إلى الحب، لا فقط الحب الذي يأتي من الآخرين، ولكن حب الذات. كنت أحتاج لأن أكون لطيفة مع نفسي، أقبل كل عيوبها وأخطائها، لأنني كنت أرى نفسي دائمًا كضحية، لكنني أدركت أنني لا أستحق أن أكون في هذا الوضع.

بدأت أعيش لحظاتي بتفاصيلها. كنت أستمتع بكل لحظةٍ من يومي، أحتفل بنجاحاتي الصغيرة. كنت أكتشف أنني أستحق الحياة كما هي، بكل ما فيها من صعوبات وأفراح. تعلمت أن الحياة ليست مجرد انتظار للغد، بل هي رحلة يجب أن أعيشها بكل ما فيها من لحظات، سواء كانت حزينة أو سعيدة.

ثم جاء اليوم الذي كنت فيه بحاجة إلى قرار حاسم. كان ذلك اليوم الذي قررت فيه أن أخرج من دائرة المأساة التي كنت أسيرة لها. شعرت أنني بحاجة إلى بداية جديدة، بعيدًا عن تلك القيود التي فرضها المجتمع وأهلي على حياتي.

وقتها، قررت أن أترك الماضي خلفي، وأن أبدأ حياتي من جديد. كان القرار صعبًا للغاية، لكنني شعرت أنني أخيرًا أمتلك الشجاعة لاتخاذه. بدأت في بناء مستقبلي، في رسم صورتي الخاصة عن الحياة التي أريد أن أعيشها. لم يكن الأمر سهلاً، لكنني كنت مصممة على أن أعيش حياتي كما أريد.
وفي النهاية، أدركت أن الحياة ليست مجرد أيامٍ تمضي، بل هي مجموعة من اللحظات التي تشكلنا وتغيرنا. ربما كنا نشعر في بعض الأحيان أننا محاصرون، أن هناك جدرانًا تمنعنا من الوصول إلى مااريد
قصة قصيرة بعنوان /اعيد ترتيب حياتي
بقلمي /رضا محمد احمد عطوة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق