مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 16 مايو 2026

غيبوبة زرقاء بقلم اسعد الدلفي

قصة قصيرة// غيبوبة زرقاء
 
في باص "بغداد الجديدة" المتخم بالوجوه العابرة، جلستُ أراقبُ حشدًا يركبُ معًا ويسافرُ فرادى. بجانبي كان شابٌّ يلتهم شاشة هاتفه، غارقًا في عالم "التيك توك"؛ ينتقلُ بلمسةِ إصبعٍ خاطفة من مشهدٍ كوميدي صارخ إلى مقطعٍ تراجيدي مبكٍ. تأملتُ ملامحه المرتجة، وفكرتُ في ذلك الارتباك العنيف الذي يصيب الدماغ وهو يتلقى الضدين في ثانية واحدة، وتساءلت: هل يتقصد التطبيق هذا التتابع السادي للمشاهد ليجعلنا خاضعين لسطوته؟

على المقلب الآخر، كانت فتاةٌ تجلس قرب النافذة، أسلمتْ أذنيها لسماعاتٍ بيضاء مرتبطة بهاتفها، وتدندن مع أغنيةٍ غائبة عنّا، هائمة في ملكوتها الخاص.... وقرب نافذةٍ أخرى، جلس رجلٌ مسنٌّ يدخن بشراهةٍ وعصبية وهو يقلب هاتفه، ينفث غضبه مع الدخان الراحل في الهواء.... وخلفه، شابٌّ يرتدي ملابس عاملٍ هدّه الشقاء، غطَّ في نومٍ عميق من أثر التعب، بينما تدلت من أذنيه أسلاك سماعته كمشيمةٍ تربطه بعالمه الافتراضي.

فجأة، شقَّ صمت الحافلة صوت السائق الخشن وهو يصيح بنبرةٍ حادة: "اكو أحد ما دافع الكروة؟!".... لم يجبه أحد. كان الجميع مستغرقين في غيبوبة شاشاتهم الزرقاء. نظرتُ إليه وقلتُ بهدوء: "الكل منشغلون بهواتفهم يا أخي، أعد حساب الأجرة فربما تكون واهماً".

صمتَ السائق للحظة، أعاد عدَّ النقود، ثم قال: "نعم، معك حق.. الحساب كامل".

استمر الباص في تهاديه عبر شوارع بغداد، وفي داخله يختلط ضجيج العالم؛ نغماتٌ متقاطعة، ضحكاتٌ منبعثة من شاشة، ونحيبٌ يخرج من أخرى. وفي خضم هذا الصخب الصامت، كان بين يدي كتاب "المسخ" لكافكا.. أقرأ عن ذلك الإنسان الذي استيقظ ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة مقززة، 

وحين لاحت مشارف السوق الصاخب، انتبهتُ من أفكاري وصحتُ بأعلى صوتي: "نازل.. توقف توقف!".... كانت الصرخة قوية ومدوية، لدرجة أنها كسرت العزلة الرقمية للحافلة؛ فزع الجميع، ونزعوا سماعاتهم دفعة واحدة، والفتوا نحوي بعيونٍ مذهولة، حتى ذلك الشاب النائم استيقظ مذعوراً.. التفتوا جميعاً ليروا هذا "الكائن الغريب" الذي ما زال يملك صوتاً في عالمٍ من صمت.

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الجمعة 15 آيار 2026
العراق – بغداد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق