مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 24 مايو 2026

رفاهية من ورق بقلم اسعد الدلفي

قصة قصيرة // رفاهية من ورق

على مكتبه الخشبي المتهالك، كانت الصفحة البيضاء تبدو كصحراء قاحلة تمتد بلا نهاية. أمامه مهمة ثقيلة حد الاختناق: كتابة تقرير مطول ومُنمق عن "الرفاهية المطلقة التي يعيشها الوطن، والعدالة الوارفة التي تظلل العباد". كان أمر رئيس التحرير حاسماً، ونبرته عبر الهاتف لا تقبل الجدال؛ يريد المقال صباح الغد ليتصدر الصفحة الأولى.

تنهد الكاتب، وفرك صدغيه المتعبين. نهض لعل في المدى متسعاً للرؤية، ففتح النافذة.

هناك، على الرصيف المقابل مباشرة، وتحديداً تحت لافتة "مطعم السعادة" البراقة، كانت تقف عجوز انحنى ظهرها، تمد يداً مرتعشة تستجدي ثمن رغيف يسد رمقها. أشاح بنظره يميناً نحو تقاطع الشارع المزدحم، فاستقبلته عيون أطفال صغار، حفاة الأقدام، يركضون بين عجلات السيارات لبيع مناديل ورقية يمسحون بها دموع طفولتهم المهدورة.

قرص الجوع معدته فجأة، فتوجه نحو الثلاجة بحثاً عن أي شيء يُسكت به هذا الوجع. فتح الباب، ليمتد أمامه فراغ بارد وموحش. نفذ راتبه منذ اسبوع ويعيش على الديون؛ ولا شيء هناك سوى علبة ماء فارغة, وكسرة خبز يابسة تركها الزمن لتتصلب كأفكاره.

عاد إلى مكتبه، وجلس يحملق في السطر الأول. رنّ الهاتف.. إنه رئيس التحرير يستعجله. تركه يرن دون إجابة.

"الرفاهية.. هل هي أن تملك كل ما تريد؟" سأل نفسه بمرارة. كيف يكتب عن النعيم وهو يتنفس العوز؟ كيف يصف الشبع وبطنه تئن؟ كيف يصيغ العدالة وهو يرى الظلم يكسو الأرصفة؟

مضت الساعات، والهاتف يصرخ كل نصف ساعة مهدداً ومتوعداً. والكاتب ما زال أسيراً للسطر الأول، يصارع الحبر والضمير.

مع دقات الفجر الأولى، وتحت وطأة الصمت والنور الشاحب، أمسك بقلمه وضغط عليه بقوة، وكأنه يغرس نصل حق في قلب الزيف. لم يكتب تقريراً، ولم يصف قصوراً، بل خطّ عبارة واحدة غادرت روحه إلى الورق، واستقالت معها حيرته:
"الرفاهية.. ليست ترفاً ولا قصوراً، الرفاهية الحقيقية هي أن تنام ليلاً وأنت مطمئن.. أن يمر غدك بسلام، دون خوف من جوع، ودون قلق من غدٍ مجهول."

بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الاحد 24 آيار 2026
العراق – بغداد – باب المعظم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق