مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 10 مايو 2026

ق ق ج خمسون ألف طعنة بقلم اسعد الدلفي

ق ق ج خمسون ألف طعنة

منذ أن أشرقت شمس هذا الصباح الغائم، والقلق ينهش في صدري كعقربٍ ضلّ طريقه؛ فالجيوب خاوية، والدنانير التي كانت بالأمس تؤنس وحشتي تلاشت كدخان سيجارة في ريحٍ عاتية، والراتب في بلادي ضيفٌ خفيف الظل، يحضر ليودع.

ما ان صعدتُ الحافلة، وعينايَ مصلوبتان عليه، لم أستطع تحويل نظري عنه ولو لغفوة عين؛ فهو الشاهد الوحيد على سنواتي التي ذبلت قبل أوانها، رفيقي الذي لم يخذلني قط، والكلُّ هنا في أزقة بغداد يشهد بتفرده، حتى أنهم أقسموا يوماً أن فيه سراً مخبأً، أو قوةً خفية تمنحني الثبات كلما ضاقت بي الأرض.

لقد كان حاضراً ببريقٍ مهيب ونحن نسحق فريق "حجي حميد" في تلك المباراة الأسطورية، يومها كان يلمع مع كل صرخة فوز، وكأنه يضحك معي في أكثر أيامنا صخباً ومرحاً. 

وهو ذاته الذي كان المؤنس الوحيد لارتجاف يدي أمام تلك الفاتنة ذات العينين الزرقاوين في "مقهى رضا علوان"؛ تلك التي كانت تعجن الحروف بفتنةٍ تجعلها تبدو كساحرة بيان، بينما كنتُ أنا ألوذُ به لأسكن اضطراب قلبي. 

وحتى حين كانت شمس شارع الرشيد تذيب الصبر وأنا أرصّ الكتب فوق الأرصفة بزهيد الثمن، كان هو سندي الصامت، يلمع بوفاء وسط غبار المجلدات القديمة ورائحة الورق العتيق.

بقلبٍ يتفطر، وصلتُ إلى منطقة "الميدان" حيث تنتهي الحكايات وتبدأ المساومات، وقفتُ بخطواتٍ مثقلة بالخيبة أمام شيخٍ طاعنٍ في السن، يجلس ببرودٍ خلف صندوقه الزجاجي العجيب, والذي يغصّ ببقايا حكايا الراحلين. مددتُ يدي المرتجفة نحوه، وبصوتٍ مخنوقٍ لا يكاد يبين سألت: "بكم تشتري ذكرياتي؟". 
نظر العجوز بجمود، أمسك بقطعة الروح تلك، تمعّن في فصّها العتيق ونقوشها التي حفرها الزمن حفرًا، ثم قال بلهجةٍ جافة: "خمسون ألف دينار". قبضتُ المبلغ وكأنه جمرٌ يكوي راحة كفي، وسلمته الأمانة؛ وفي تلك اللحظة، حين نزعتُ خاتمي المحبب عن إصبعي، شعرتُ كأنني أنتزع قلبي من صدري وأتركه وحيداً خلف ذلك الزجاج البارد.
 
بقلم الكاتب اسعد الدلفي
الاحد 10- آيار – 2026
العراق – بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق