مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 2 مايو 2026

بين الوالدة والحاضنة بقلم ماهر اللطيف

بين الوالدة والحاضنة

بقلم ماهر اللطيف /تونس 

قالت متحسّرة:
— أنا أحييتك، ربيتك، تحمّلت حلوك ومرّك… وأنت اليوم تسعى إلى قتلي، إلى التنكّر لي، إلى التخلّي عني!

أجبتها بصوتٍ مثقل:
— يؤلمني فراقك، يا أمي الحبيبة… لكنه الحلّ الأمثل، لي ولكِ.

ثارت صائحة:
— أيّ حلّ هذا الذي يجعلك ترتمي في أحضان أمٍّ ثانية، وأمّك الأصلية لم تلقَ منك غير الجفاء؟

قلت بثباتٍ أخفي به ارتجافي:
— ضاقت الحياة هنا… ولم يعد لي مكان على هذه الأرض.

أدارت لي ظهرها، وشرعت تلوم بقيّة الأبناء، كأنها تبحث فيهم عمّن لم يخنها بعد.

وفي تلك اللحظة… مرّ أمامي شريط حياتي كاملًا.
طفولتي الأولى،
مدرستي الابتدائية، ثم الإعدادية فالثانوية…
ضحكاتي مع أترابي، ركضي في الأزقّة، أحلامي الصغيرة التي كبرت معي،
وأخطائي التي رسخت في داخلي حتى صارت جزءًا مني.

كنت مثلهم جميعًا:
أتعلم، أستمع أكثر مما أتكلم،
أنجح فأفرح، أفشل فأصمت،
أتقدّم خطوة… وأتراجع أخرى.
لم أكن مختلفًا،
لكنني كنت أبحث عن أكثر… دائمًا أكثر.

قطع هذا الشريط صوتُ موجٍ هائج، في ليلٍ دامس.
حركةٌ غير عادية، صراخٌ، وجوهٌ متوترة،
وأقدامٌ تتسابق نحو القارب…
ذلك القارب الذي قيل لنا إنه طريق النجاة،
أو هكذا أردنا أن نصدّق.
لحظات قليلة،
وكنّا في عرض البحر.
جلسنا متلاصقين،
نقتسم الخوف كما نقتسم الحلم،
نتبادل الأهداف والمخططات،
نرسم ملامح مستقبلٍ لا نعرف إن كان ينتظرنا أصلًا.
كان كلّ واحدٍ منا يتحدث عن الغد،
عن العمل، عن المال، عن الحياة الجديدة…
وكأن الوصول أمرٌ مفروغٌ منه.

لكن…
لم يجرؤ أحدٌ منا على تسمية الخوف باسمه.
كنّا نهرب من حضنٍ ضاق بنا،
إلى حضنٍ لم يفتح ذراعيه بعد…
نرسم أحلامًا أكبر من البحر،
ونخفي في أعماقنا حقيقة واحدة:
أن هذا الطريق… لا يضمن الوصول.
وبين حضنين،
كان البحر يتهيّأ بصمت،
ليكون الأمّ الوحيدة التي لا تُعيد أبناءها…
وأمي هناك،
كانت وحدها تدرك ما نجهله جميعًا:
أن بعض الرحيل…
لا عودة بعده،
إلا… جثثًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق