في زحام الحياة وتتابع الأيام، لا تقاس قوة الأمم بكثرة عددها، بل بمدى يقظة بصائرها ووضوح غاياتها. فالتاريخ الإنساني القديم والحديث لا يصنعه الركود، بل ترويه سواعد واعية تدرك وجهتها، وتخطو بخطى مدروسة ومنظمة نحو أفقها المنشود.
وكثيراً ما نرى الأقليات الحية، المتقدة بالوعي والهدف، تقود ببوصلة عزيمتها جموع الأغلبيات الخاملة والمشتتة؛ فتوقظ فيها طاقات كامنة، وتوجه خطاها نحو معارج التغيير والبناء.
وخير شاهد على ذلك؛ ما تجسد في فجر الإسلام، حين انطلقت نواة مؤمنة قليلة العدد، مستضعة في مكة، تواجه طغيان وجبروت أغلبية قبلية جاهلية غارقة في التشتت والعصبية. لم تكن هذه القلة تمتلك عدداً ولا عُدّة، لكنها امتلكت وعياً عميقاً بالرسالة وغاية واضحة للوجود؛ فتلك النواة الصغيرة التي التقت على العهد في العقبة، ثم هاجرت لتستقر في المدينة، استطاعت بوعيها وتنظيمها أن توحد القبائل المتقاتلة، وتؤسس دولة فتية غيرت وجه التاريخ الإنساني في زمن قياسي مقارنة بضخامة الإمبراطوريات المحيطة بها.
إن الشعلة الواحدة قادرة على تبديد دجى الليل البهيم إذا ما التفت حولها قلوب تؤمن بأن الحركة الواعية هي السر الأبدي لصناعة الفارق الجذري. فلا العبرة بكثرة العدد، بل بصدق التوجه وعمق الإرادة حين يلتقيان في محراب الفعل المُنظم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق