«فِي البَدْءِ لَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ مُجَرَّدَ صَوْتٍ يَمْلأُ الفَرَاغَ، بَلْ كَانَتْ قِطْعَةً مِنْ طِينِ الرُّوحِ نُلْقِيهَا فِي سِمْعِ الأَيَّامِ. لَكِنَّنَا فِي زِحَامِ العُمْرِ نَسِينَا كَيْفَ نُنْصِتُ، وَصَارَ الحَرْفُ سِلاَحاً يُشْهَرُ، أَوْ حَجَراً يُرْمَى بِلَا وَعْيٍ. هَذِهِ العِبَارَاتُ لَيْسَتْ شِعْراً يُقْرَأُ، بَلْ هِيَ مِرْآةٌ تُرْفَعُ أَمَامَ العَابِرِينَ؛ لِيَتَأَمَّلَ كُلُّ ذِي قَلْبٍ مَلَامِحَ سَرِيرَتِهِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ خَلْفَ ضَجِيجِ اللُّغَاتِ العَابِرَةِ.. ثَمَّةَ صَمْتٌ هُوَ أَصْدَقُ حِكَايَاتِنَا، وَمَعْنًى لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا السَّائِرُونَ فِي مِحْرَابِ الرُّوحِ.»
عَلَى حَافَّةِ الوُجُودِ العَابِرِ..
تَتَشَابَهُ المَلَامِحُ، وَتَغْتَرِبُ السَّرَائِرُ،
وَكُلُّ مُسَافِرٍ يَرَى الوُجُودَ بِمِرْآةِ انْكِسَارِهِ،
فَاللُّغَةُ قِنَاعُ العَابِرِينَ، وَلَيْسَتْ وَجْهَ الحَقِيقَةِ.
الكَلِمَاتُ رُمُوزٌ مَشْحُونَةٌ بِالغِيَابِ..
يَمُرُّ بِهَا العَجُولُ، فَيَظُنُّهَا مَحْضَ هَوَاءٍ،
وَيَقِيسُهَا العَارِفُ، فَيَرَاهَا مَوْتاً أَوْ بَقَاءً.
فَمِنَ البَشَرِ مَنْ يَقْذِفُ الحَرْفَ أَعْمَى كَالحَجَرِ..
يَهْوِي بِهِ فِي سَحِيقِ المَدَى، وَلَا يَدْرِي أَيَّ قَلْبٍ شَطَرَ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْبِلُ اللَّفْظَ بِوَهْمٍ عَتِيقٍ..
فَيُشْعِلُ مِنْ رَجْعِ الصَّدَى، حَرْباً عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ.
لَكِنَّ السَّائِرِينَ فِي مِحْرَابِ الرُّوحِ..
هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ صَمْتَ الحَرْفِ قَبْلَ وِلَادَتِهِ،
وَيَشْعُرُونَ بِالوَجَعِ المَنْسُوجِ بَيْنَ تَلَافِيفِ الكِنَايَةِ،
وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الحُبِّ.. مَا عَجِزَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ.
يُرَمِّمُونَ تَصَدُّعَ النُّفُوسِ بِإِنْصَاتٍ مَهِيبٍ،
وَيَعْبُرُونَ حُقُولَ الضَّغَائِنِ بِقَلْبٍ غَرِيبٍ،
لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا فِي مُنْتَهَى الحِكْمَةِ..
أَنَّ الكَلِمَةَ جَسَدٌ فَانٍ، وَأَنَّ الصَّمْتَ هُوَ الأَبَدِيَّةُ.
وَفِي هَذَا الضَّجِيجِ الكَوْنِيِّ المُسْتَمِرِّ..
تَفِيضُ العِبَارَاتُ، وَتَضِيقُ المَعَانِي،
لَكِنَّ الأَرْوَاحَ البَصِيرَةَ وَحْدَهَا..
تَلْمَسُ جَوْهَرَ البَدْءِ، وَتَكْتَفِي بِالنَّوَايَا.
بقلمي / حورية جمال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق