مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الجمعة، 24 يوليو 2026

الحذاء الضيق بقلم عمر أحمد العلوش

(الحذاء الضيق) 
خرج ذات صباح إلى السوق يبحث عن حذاء جديد كان يمشي مطمئناً يظن أن لين القدم يكفي لتتسع لها الطرق كلها. وقع بصره على حذاء أعجبه أدخل قدمه فيه بثقة. الحذاء كان أضيق مما بدا له وما إن استقرت القدم داخله حتى انغلق عليها كأنها غنيمة طال انتظارها . حاول الرجل أن يسحبها فلم تستجب . كلما ازدادت قوة التخلص ازداد الحذاء تشبثاً حتى بدأ الألم يصعد من قدمه إلى قلبه. تجمع حوله كل من في السوق . تقدم صاحب المتجر وجرب كل ما يعرفه من حيل من سكب الماء البارد فلم ينفع ثم استعان بالحرارة فإذا بالقدم تتمدد ويشتد الحذاء التصاقاً بها. تصبب العرق من جبينه وراح يعض على شفتيه بينما خيم الصمت على من حوله.استُدعي صانع الحذاء يحمل مشرطه . نظر إلى القدم و الحذاء وقال بصوتٍ خافت لا حل إلا أن أمزق الحذاء لكن المشرط قد يلامس القدم . ساد الصمت. لم يعد السؤال كيف يخرج القدم بل بأي ثمن. وفي لحظة يأس اقترح صانع الحذاء حلاً لم يكن يخطر ببال أحد. لم يجد بداً من أن يهمس بأذن الرجل ناصحاً بأن يبول في الحذاء . فعلها وهو يبتلع مرارة الخيار . وبعد دقائق انزلقت قدمه إلى خارج الحذاء سالمة . وقف يتأملها طويلاً لقد نجت قدمه من ذلك الحذاء اللعين لكنها خرجت تحمل وجعاً ورائحةً وذكرى لن تغادرها سريعاً . خرجت القدم، أما ما بقي فيها فلم يكن يُرى. نظر إلى الحذاء القذر على الأرض ، ثم إلى قدمه التي ما زالت ترتجف . حمل الحذاء بيده لحظة ثم رماه في سلة قذرة وغادر كأن شيئاً أثقل من الجلد بقي عالقاً فيه . مرَّ في طريق عودته أمام واجهة متجر آخر . توقفت عيناه عند حذاء أجمل ... ابتسم ابتسامة باهتة وأكمل سيره دون أن يدخل . غسل قدمه مراراً حتى زالت رائحة البول لكن كلما هم بخطوة جديدة انقبضت روحه بضيق قديم لم تغسله المياه .

✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق