حينما تصلى،،،،،،، الحجارة
يا قُدسُ... يا أوَّلَ النورِ في سفرِ السَّماءِ، ويا آخرَ الوعدِ حين يضيقُ بنا الزمان. يا مِحرابَ الأنبياءِ، ويا مهدَ الصلواتِ إذا ارتجفتْ في القلبِ أجراسُ الحنين.
من حجارةِ أسوارِكِ خرجتْ حكاياتُ الصابرين، ومن زيتونِكِ تعلَّمتِ الأرضُ أنَّ الجذورَ لا تبيعُ أسماءَها، ولا تنحني إلا لخالقِها.
كم تعاقبَ على أبوابِكِ غزاةٌ، وحملوا سيوفَهم كأنهم يملكونَ مفاتيحَ القدر، وظنُّوا أنَّ الحديدَ أقوى من الدعاءِ، وأنَّ النارَ تستطيعُ إحراقَ الضوء.
لكنهم... مضوا كما يمضي الغبارُ إذا هبَّتْ عليه ريحُ الحقيقة، وبقيتِ أنتِ تغزلينَ من صبرِكِ ثوبًا جديدًا للتاريخ، وتكتبينَ على جدارِ الزمن: إنَّ المدنَ التي باركَها اللهُ لا تموت.
يا مدينةً تتوضأُ بالفجر، وتتعانقُ فيها أجراسُ الكنائسِ مع مآذنِ المساجد، فيصعدُ الدعاءُ من اختلافِ الأجراسِ والأصوات، ليلتقي في سماءٍ واحدة، ويشهدَ العالمُ أنَّ المحبةَ هي اللغةُ التي يفهمها اللهُ في قلوبِ عباده.
في كلِّ حجرٍ منكِ نبضُ نبي، وفي كلِّ زقاقٍ ترتيلةُ عاشق، وفي كلِّ نافذةٍ أمٌّ تخبئُ دمعةً في طرفِ الدعاءِ، وتفتحُ بابَها كلَّ مساء، لعلَّ الغائبَ يعود.
ليس فيكِ بابٌ إلا وعلَّقَ عليه التاريخُ مفتاحَ ذاكرة، ولا شرفةٌ إلا وغنَّى عليها حمامٌ يعرفُ أنَّ السلامَ وإن تأخر... آتٍ.
يا قدسُ... إذا تباهتِ المدنُ بقصورِها، تباهيتِ أنتِ بأرواحِ أبنائِكِ، وإذا تفاخرَ الملوكُ بعروشِهم، اكتفيتِ بأن تكوني عرشًا للمحبة، ومنارةً لليقين.
ما أنتِ مدينةً تُقاسُ أعمارُها بالقرون، بل مدينةٌ تُقاسُ القرونُ بما تركتْهُ على ترابِها من أثر، وما أنجبتْهُ من نور.
كلُّ من مرَّ عليكِ تركَ ظلَّهُ ورحل، وأنتِ وحدكِ بقيتِ تجمعينَ فتاتَ الأزمنة، وتنسجينَ منه وشاحًا يليقُ بالخلود لكنَّكِ يا قُدسُ
لا تُقاسِينَ بما مضى،
بل بما تُنبتينه كلَّ صباحٍ
في قلوبِ العاشقين.
فكلُّ طفلٍ يولدُ على ثراكِ
يحملُ في كفِّه مفتاحًا،
وفي عينيهِ وعدًا،
وفي صدرِهِ وطنًا
لا تشتريه خزائنُ الأرض.
كم حاولوا أن يُغيِّروا اسمَكِ،
فبقيتِ الاسمَ الذي تحفظُه السماء،
وحاولوا أن يُطفئوا قناديلَكِ،
فاشتعلتْ نجومُ الليلِ من نورِها،
وحاولوا أن يقتلعوا زيتونَكِ،
فأنبتتِ الأرضُ ألفَ غصنٍ
من دماءِ الشهداءِ.
أنتِ لستِ مدينةً...
بل ذاكرةُ اللهِ على الأرض،
إذا ضلَّ الناسُ الطريقَ
عادوا إليكِ،
ليعرفوا أنَّ الحقَّ
قد يتعبُ...
لكنَّه لا يموت.
سيجيءُ يومٌ
تغسلُ الشمسُ أبوابَكِ
بماءِ الفجر،
ويعودُ الحمامُ
ليكتبَ فوقَ القبابِ
أغنيةَ السلام.
وسيضحكُ الأطفالُ
في الأزقةِ التي أرهقها البكاء،
وتعودُ الأسواقُ
تعجُّ بالحياة،
ويعودُ الزيتونُ
يُعلِّمُ العالمَ
أنَّ الجذورَ إذا صدقتْ
لا تقتلعها الرياح.
وحينَ يسألُ التاريخُ
مَن انتصر؟
لن يُجيبَ السيفُ،
ولا المدفعُ،
ولا عروشُ الطغاة...
ستجيبُ الحجارةُ
التي ظلَّتْ تُصلِّي،
والأجراسُ التي عانقتْ مآذنَ المساجد،
والأمُّ التي خبَّأتْ أبناءَها في الدعاءِ،
والشهيدُ الذي كتبَ بدمِهِ
آخرَ سطورِ الحرية.
وستبقينَ يا قُدسُ...
قصيدةَ اللهِ التي لا تنتهي،
ووعدَهُ الصادقَ
بأنَّ النورَ،
مهما طالَ الليلُ،
لا بدَّ أن ينتصر.
كارم الطير ✍️
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق