مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الخميس، 27 أغسطس 2026

أُمُّ السَّائِقِينَ بقلم منداس غريسي

النّص: أُمُّ السَّائِقِينَ

مرثيّةُ الحاجةِ مليكة

يا مَلِيكَةُ، يا نَبْضَ صَحْرَائِنا
يا وَاحَةَ الخَيْرِ فِي زَمَنِ العَنَاءِ

مِنْ عَيْنِ صَالِحٍ إِلَى تِيمِيمُونَ
يَمْضِي الطَّرِيقُ طَوِيلًا فِي الفَلَاءِ

وَعَلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، حَيْثُ السَّرَابُ
يَنْسُجُ لِلْعَطْشَانِ وَهْمَ المَاءِ

كَانَ السَّائِقُ، بَعْدَ طُولِ سَفَرِهِ،
يَرْقُبُ كُوخَكِ رِقْبَةَ الرَّجَاءِ

مَا كُنْتِ تَمْلِكِينَ قَصْرًا فَاخِرًا،
لَكِنْ مَلَكْتِ مَكَارِمَ الكُرَمَاءِ

كُوبُ المِيَاهِ عَلَى يَدَيْكِ كَرَامَةٌ،
وَكَأْسُ شَايٍ عَطَّرَ الأَجْوَاءَ

تَسْقِينَ ظَمْآنَ الطُّرُوقِ، وَفِي يَدَيْكِ
كَانَتْ تُطِلُّ مَرَاحِمُ الكُرَمَاءِ

وَيَأْتِي الجُنْدِيُّ مُثْقَلًا بِعَنَائِهِ،
فَيَرَى بِبِشْرِكِ رَاحَةً وَدَوَاءَ

وَيَمُرُّ سَائِقٌ بِكُوخِكِ عَابِرًا،
فَيَرْجِعُ مِنْهُ حَامِلًا دِفْءَ اللِّقَاءِ

مَا كَانَ كُوخُكِ فِي الفَلَاةِ صَغِيرًا،
فَبِقَلْبِكِ اتَّسَعَتْ لَهُ الصَّحْرَاءُ

يَا أُمَّ السَّائِقِينَ، كَمْ مِنْ عَابِرٍ
رَفَعَ الدُّعَاءَ لَكِ بَعْدَ ارْتِوَاءِ

اليَوْمَ غَابَتْ عَنْ مَفَارِقِ طَرِيقِنا
مَنْ كَانَ لِلْعَطْشَى مَلَاذَ رَجَاءِ

غَابَتْ مَلِيكَةُ، فَاسْتَحَالَ كُوخُهَا
صَمْتًا، وَأَصْبَحَ الطَّرِيقُ بِلَا ضِيَاءِ

وَكَأَنَّ صَحْرَاءَ المَنِيعَةِ فَقَدْتْ
قَلْبًا يُرَطِّبُ قَسْوَةَ الأَجْوَاءِ

فَاللهُمَّ اجْعَلْ كُلَّ قَطْرَةِ مَائِهَا
نَهْرًا لَهَا فِي جَنَّةِ النَّعْمَاءِ

وَاجْعَلْ لَهَا مِنْ كُلِّ قَلْبٍ عَابِرٍ
دَعْوَةً تَرْقَى إِلَى العَلْيَاءِ

وَاجْزِهَا عَنْ كُلِّ كَأْسٍ قَدَّمَتْ
خَيْرَ الجَزَاءِ وَوَاسِعَ الإِحْسَانِ

رَحِمَ الإِلَهُ الحَاجَّةَ مَلِيكَةَ،
وَأَسْكَنَهَا فِي رَوْضِهِ الرَّيَّانِ.

أُمُّ السَّائِقِينَ غَادَرَتِ الطَّرِيقَ،
وَلَكِنَّ خَيْرَهَا لَمْ يُغَادِرِ الطَّرِيقَ.

بقلم الشاعر: منداس غريسي / الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق