مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 15 أغسطس 2026

مَرايا الغُروبِ المُؤجَّلِ بقلم مُحَمَّد قَرموشَه

مَرايا الغُروبِ المُؤجَّلِ
* * *
على ضِفافِ نَزيفي، وتَحتَ عَباءةِ الشَّفَقِ الرّاحِلِ،
لَن تَنتهيَ الحِكايةُ بِمَواسِمِ الرَّحيلِ،
بَل تَبدأُ مِن ذُروةِ الانتظارِ،
حينَ يُعلِنُ الوقتُ إضرابَهُ عَنِ المُرورِ.
تُراكَ تَدري كَم مِنَ العُمرِ انتظرتُ؟
لأجلِكَ صُغتُ مِنَ الصَّبرِ شِراعي،
واليومَ أقِفُ على أَطلالِ الضَّياعِ،
أُلملِمُ ما تَبقّى مِن شَتاتي بَينَ الأَمواجِ.
في مَغيبِكَ...
تَتحوّلُ صَفحةُ الماءِ إلى مَرايا مَكسورةٍ،
تَعكِسُ وَجهَكَ الرّاحِلَ في كُلِّ مَوجةٍ وشِراعٍ،
ويُصبِحُ الصَّمتُ ذِئباً يَنهَشُ حَنجرتي،
كُلّما حاوَلتُ مُحاوَرةَ طَيفِكَ العابرِ فَوقَ المَدِّ.
الغِيابُ لَيسَ مَسافةً تُقاسُ بِاتِّساعِ المَدى،
بَل هُوَ خَطيئةُ الثَّواني
الّتي تَمُرُّ كالأعوامِ العِجافِ فَوقَ مَرسًى يَجتاحُهُ الصَّقيعُ.
فَكيفَ لِقلبٍ كانَ يَحسَبُ نَفسَهُ شُجاعاً،
أَن يَنكسِرَ أَمامَ مَوجةٍ مِنَ الوَجدِ،
ودَفَقاتٍ مِنَ الحَنينِ؟
صارتِ الشَّواطِئُ بَعدَكَ غَريبةً،
والمِلحُ في عَينَيَّ يَعصِرُ مَهجتي.
هُنا... وعَلى مَرأى مِن عَينَيَّ المُرهَقَتَينِ،
تَرْسو سُفُنُ العائدينَ، ويَتَعانَقُ العُشّاقُ بِبَهجةِ اللِّقاءِ،
وتَتَفَتَّحُ وُرودٌ بَيضاءُ وحَمراءُ مِن قَطراتِ اللَّهفةِ عَلى الرَّصيفِ،
وتَنبِضُ قُبُلاتٌ تُشعِلُ الميناءَ شَغفاً.
وفي غَمرَةِ الشَّوقِ،
يَأخُذونَ حَقائِبَهُمُ المَليئةَ بِالضَّحكاتِ، ويَرحَلونَ،
تارِكينَ خَلفَهُم أَصداءَ ضَجيجِهِم...
وَشماً خالِداً في صَمتي.
أمّا أَنا...
فَأَبقى وَحيداً أَعجِنُ العَبَراتِ بِتُرابِ الشّاطِئِ المَبلولِ،
أَندُبُ خَيباتِ الغِيابِ،
وأَرمُقُ الأُفقَ المَصبوغَ بِدَمِ الغُروبِ.
أَختارُ الثَّباتَ كَصَخرةٍ صَمّاءَ،
أَو نَخلةٍ يابِسَةٍ في مَكاني،
أَتَحسَّسُ خَشَبَ المَقعَدِ البارِدَ في وَجهِ المَوجِ،
الّذي صارَ يُشبِهُ يَدَيَّ النّاحِلَتَينِ.
فَيا عَجَباً لِمَن يَرجو نَجاةً
وقَد غَرِقَ المَلّاحونَ!
أَنا المُحارُ في قاعِ دَمعي،
وما في جَوفي... إِلّا الدُّرُّ اليَتيمُ.
فَلا مَوجٌ يَعودُ لِيَحتَويني،
ولا الشَّطآنُ تَذكُرُ مَن أَكونُ.
غَرِقتُ... ثُمَّ لَم أَجِدْ مَرفَأً،
فَصارَ الكَونُ مِن بَعدي سُكوناً.
لا أَلومُ في الغَرَقِ الرِّياحَ،
إِذا كانَ الغَريقُ أَنا...
تَلاشَتْ مَلامِحُ الشّاطِئِ في عَيني،
ولَم يَتَبَقَّ... إِلّا اللَّيلُ السّاكِنُ.
أَتَحسَّسُ بَقايا حُطامي، ويَخنُقُني السُّؤالُ:
هَل يَذكُرُني ذَلِكَ الغائِبُ كَما أَذكُرُهُ؟
أَم أَنَّ النِّسيانَ قَد طَوى... آخِرَ صَفَحاتِنا مَعاً؟
لِتَظَلَّ الإِجابَةُ مُعَلَّقَةً كَغَيمَةٍ لا تُمطِرُ فَوقَ لُجَّةِ البَحرِ،
تَنتظِرُ ريحاً مِنكَ
تُعيدُ الفَلَكَ إِلى مَرساهُ،
أَو نِسياناً... يُشبِهُ المَوتَ في أَعماقي.
     * * *
بِقَلَمِ: مُحَمَّد قَرموشَه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق