مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 30 أغسطس 2026

المُعَادَلَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعِ الحَيَاةُ حَلَّهَا بقلم مَنْدَاسْ غَرِيسِي

النّص: المُعَادَلَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَطِعِ الحَيَاةُ حَلَّهَا

حكاية خمسين عامًا بلغة الرياضيات

بقلم: غريسي لعربي براهيم منداس — الجزائر

المعادلة الأولى

لم أبدأ حياتي من رقم.

بدأت من وجهين.

وجه أبي، ووجه أمي.

ثم جاءت الأرقام بعد ذلك.

جاءت السنوات، واحدةً تلو الأخرى، كأنها نقاطٌ صغيرة على خط طويل، لا يعرف الطفل أين ينتهي.

كنت أظن أن السنوات تُعَدّ.

ثم كبرت، فاكتشفت أنها لا تُعَدّ فقط...

بل تُعاش.

هناك سنة تسكن في الذاكرة لأنها حملت فرحًا.

وسنة لأنّها حملت فقدًا.

وسنة لا تتذكر منها إلا صوتًا.

وأخرى لا يبقى منها إلا بابٌ أُغلق خلفك.

وحين بلغت الخمسين، لم أجد نفسي أمام رقم.

وجدت نفسي أمام معادلة.

وضعت ورقة بيضاء أمامي.

كتبت:

1976 — 2026

ثم رسمت بينهما خطًا.

توقفت.

خمسون سنة.

كيف يمكن اختصار خمسين سنة في خط؟

كيف يمكن تحويل طفولة، وشباب، وشيخوخة البدايات، وأب، وأم، وبيوت، وطرقات، وخسارات، وانتصارات صغيرة، إلى رقم؟

أمسكت القلم مرة أخرى.

كتبت:

X = ؟

وهنا بدأت الحكاية.

1 ــ الصفر

في البداية كنت صفرًا.

ليس بمعنى العدم.

بل بمعنى البداية.

طفلًا لا يعرف شيئًا عن المستقبل.

كانت الدنيا يومها بسيطة.

الأب موجود.

الأم موجودة.

والبيت يعرف أسماءنا.

لم أكن أعرف أن الإنسان يعيش أجمل الأشياء أحيانًا وهو يظنها عادية.

لم أكن أعرف أن وجود الأب نعمة لا تحتاج إلى شرح.

ولا أن وجود الأم وطنٌ كامل قد لا ندرك حدوده إلا حين نفقده.

كنت أعيش.

فقط.

وكانت الحياة بالنسبة إليّ مستقيمة، كخط لا يعرف الانحناء.

ثم بدأت السنوات تضيف.

تعلمت.

كبرت.

تغيرت.

وأصبحت كل سنة تضع رقمًا جديدًا في خانة العمر.

لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا:

أبي وأمي.

لم أكن أعرف يومها أن الثوابت لا تدوم في الحياة كما تدوم في الرياضيات.

2 ــ الأب

كان أبي يشبه الثابت.

وجوده لا يحتاج إلى إثبات.

حين يكون الأب في البيت، لا يفكر الابن في معنى الأبوة.

إنه فقط يشعر بالأمان.

ثم جاء يوم فهمت فيه أن الثابت يمكن أن يغيب.

لكن قبل أن يغيب، ترك في ذاكرتي مشهدًا لم أعرف قيمته إلا بعد سنوات.

كان ذاهبًا إلى مكة لأداء العمرة.

وفي المطار وقفت أودعه.

أذكر أن المكان كان مزدحمًا.

أصوات المسافرين.

حركة الحقائب.

نداءات الرحلات.

أناس يذهبون.

وأناس ينتظرون.

وسط ذلك كله، كان أبي أمامي.

لحظة صغيرة جدًا.

لكن بعض اللحظات لا تُقاس بالزمن الذي استغرقته.

اقترب مني.

ودعا لي.

لم أكن أعرف أن الدعاء الذي خرج من فمه سيصبح واحدًا من أثقل الأشياء وأجملها في ذاكرتي.

لم أكن أعرف أنني سأحتاج إليه ذات يوم.

ولا أن صاحبه سيرحل، بينما تبقى كلماته.

ذهب أبي إلى مكة.

وعاد.

وعادت الحياة.

لكن ذلك الدعاء لم يعد إلى مكانه القديم.

بقي في داخلي.

كأنه وُضع هناك لوقت لم يأتِ بعد.

3 ــ حين غاب الثابت

مرت السنوات.

وكبر الطفل.

ثم جاء اليوم الذي صار فيه الأب ذكرى.

عندها لم أعد أستطيع أن أكتب:

أنا + أبي = حياتي.

صار الحساب أكثر قسوة:

أنا − أبي = ؟

حدقت في المعادلة.

لم أعرف كيف أحلها.

لأن الرياضيات تعرف كيف تطرح رقمًا.

لكنها لا تعرف كيف تطرح رجلًا من قلب ابنه.

كان يمكن أن يقول أحدهم:

«لقد مات.»

لكن الموت لا يشرح كل شيء.

الموت يقول إن الجسد غاب.

ولا يقول أين تذهب الكلمات.

ولا أين تختبئ النظرات.

ولا لماذا يمكن لدعاء واحد أن يبقى حيًا بعد صاحبه.

عندها تذكرت المطار.

وتذكرت أبي.

وتذكرت الدعاء.

ففهمت شيئًا:

الأب قد يغيب عن المكان، لكنه لا يغيب بالضرورة عن المعادلة.

4 ــ الأم

إذا كان الأب ثابتًا...

فقد كانت أمي محورًا.

الأشياء تدور حول المحور دون أن تشعر به.

وهكذا كانت أمي.

وجودها كان من الأشياء التي لا تحتاج إلى تفسير.

كانت هناك.

وكان هذا كافيًا.

ثم جاءت الرحلة التي أصبحت، بعد ذلك، كنزًا في الذاكرة.

ذهبت معها إلى مكة لأداء العمرة.

هذه المرة كنت أنا الذي يرافق.

كنت أمشي إلى جوار أمي.

ولم أكن أعرف أن الزمن كان يمنحني شيئًا لن أفهم ثمنه إلا لاحقًا.

في مكة، حيث تتقاطع خطوات الناس مع دعواتهم، دعت لي أمي.

لم أكن أعرف أن ذلك الدعاء سيكون له موعد آخر.

موعدًا لا أعرفه.

ولا تعرفه هي.

عدنا.

وعادت الأيام.

وظل الدعاء في مكانه الخفي.

مثل بذرة تحت التراب.

لا تراها.

لكنها تعمل.

5 ــ التاريخ الذي غيّر قيمته

ثم جاء:

24 أبريل 2023

في ذلك اليوم رحلت أمي.

صار للتاريخ معنى آخر.

قبل ذلك، كان مجرد تاريخ.

بعده، أصبح خطًا يفصل حياتي إلى جهتين.

قبل أمي.

وبعد أمي.

لا أعرف كيف يعتاد الإنسان غياب من اعتاد وجوده.

ربما لا يعتاد.

ربما يتعلم فقط كيف يحمل الغياب.

بعد رحيلها، صارت الأشياء الصغيرة كبيرة.

مكانها.

صوتها.

ذكرى عابرة.

دعاءها.

كل شيء صار يحمل وزنًا جديدًا.

وفي بعض الليالي كنت أتذكر مكة.

وأتذكر أنها كانت هناك.

وأتذكر الدعاء.

كنت أشعر أن وراء تلك الكلمات شيئًا لم أفهمه بعد.

كأن المعادلة لم تعطِ نتيجتها.

6 ــ الطرح

الفقد لا يطرح شخصًا واحدًا.

إنه يعيد ترتيب الحساب كله.

بعد أمي، بدأت أرى العلاقات بطريقة مختلفة.

اكتشفت أن القرب ليس دائمًا مسافة.

وأن الدم لا يضمن دفء القلب.

وأن بعض الأبواب تكون مفتوحة في الجدران...

ومغلقة في النفوس.

فكتبت:

القرابة ≠ القرب

ثم تركت الورقة.

لم أكن أريد أن أحاكم أحدًا.

كنت فقط أتعلم.

والتعلم أحيانًا يأتي من الأماكن التي تؤلم.

ثم جاء يوم وجدت نفسي أمام باب آخر.

باب كان ينبغي أن يكون مألوفًا.

لكنه لم يعد كذلك.

خرجت.

لم أحمل معي كل شيء.

الأشياء كثيرة.

والإنسان لا يستطيع أن يحمل كل ما عاشه.

أغلقت الباب خلفي.

وفي تلك اللحظة شعرت أنني فقدت شيئًا آخر.

لكنني، للمرة الأولى، لم ألتفت إلى الخلف طويلًا.

مشيت.

7 ــ الإشارة (-)

هناك أيام يصبح فيها الإنسان رقمًا سالبًا.

لا لأنه سيئ.

بل لأنه متعب.

تأتي أيام لا تريد فيها أن تنتصر.

تريد فقط ألا تسقط.

تستيقظ.

تؤدي واجبك.

تتكلم.

تبتسم إن استطعت.

ثم تعود إلى نفسك.

كانت هناك أيام كهذه.

ولم أخجل منها.

فالإنسان ليس آلة.

والقلب لا يعمل وفق جدول ثابت.

كنت أتعب.

لكنني كنت أكمل.

ربما لم يكن ذلك انتصارًا كبيرًا.

لكنه كان شيئًا أهم:

لم أتوقف.

8 ــ نقطة الانعطاف

في الرسم البياني، قد تكون هناك نقطة واحدة يتغير بعدها الاتجاه.

في حياتي كانت هناك نقطة مشابهة.

لم أعد أسأل:

لماذا حدث هذا؟

بدأت أسأل:

ماذا سأفعل بما حدث؟

السؤال الأول يربطني بالماضي.

والثاني يفتح لي باب المستقبل.

لم أستطع تغيير ما حدث.

لكنني استطعت أن أقرر ألا أكون مجرد نتيجة له.

وهنا بدأت المعادلة تتغير.

لم يصبح الألم جميلًا.

لكنه أصبح مفهومًا.

لم تصبح الخسارة مكسبًا.

لكنها أصبحت درسًا.

ولم يعد الماضي سجنًا.

صار جزءًا من الطريق.

9 ــ المشتقة

تعلمت شيئًا من الرياضيات لم أتعلمه في الكتب.

المشتقة لا تسأل فقط:

أين وصلت؟

بل تسأل:

في أي اتجاه تتحرك؟

وهذا مهم.

قد يكون الإنسان في مكان بعيد عن حلمه.

لكن إذا كان يتقدم...

فهو حي.

قد يكون قد خسر أشياء كثيرة.

لكن إذا كان لا يزال قادرًا على التعلم...

فهو حي.

وقد لا أكون وصلت إلى كل ما أردت.

لكنني لم أعد الرجل الذي كان في بداية الطريق.

وهذا وحده تغير.

10 ــ التكامل

عندما بلغت الخمسين، فهمت التكامل بطريقة مختلفة.

النقطة الواحدة لا تكشف المساحة.

لكن النقاط حين تتراكم تصنع شكلًا.

وهكذا كانت حياتي.

لحظة في المطار.

رحلة إلى مكة.

دعاء.

فقد.

باب.

طريق.

سقوط.

نهوض.

سنوات.

كل واحدة منها كانت نقطة.

واليوم، حين أنظر إليها مجتمعة، أرى شيئًا لم أره وأنا أعيشها:

أرى نفسي.

لم تصنعني لحظة واحدة.

صنعتني التفاصيل.

11 ــ السر

وفي إحدى الليالي، عدت إلى دعاء أمي.

لا أعرف لماذا.

ربما لأن الإنسان حين يبلغ الخمسين يبدأ في فتح الأدراج القديمة في ذاكرته.

تذكرت مكة.

تذكرت أمي.

تذكرت دعاءها.

ثم توقفت.

لأنني أدركت شيئًا.

لقد تحقق الدعاء.

جلست طويلًا.

لم تكن المفاجأة في أن الدعاء تحقق.

المفاجأة أن أمي لم تكن هنا لتعرف.

لم أستطع أن أقول لها:

«أمي... لقد تحقق ما دعوتِ لي به.»

وهنا شعرت بثقل غريب.

فرحة بلا صاحبة.

جواب وصل إلى إنسان، بينما من أرسله غائب.

لو كانت أمامي، ماذا كنت سأقول؟

ربما لا شيء.

ربما كنت سأكتفي بأن أمسك يدها.

لكن اليد لم تعد هنا.

بقي الدعاء.

فقط.

12 ــ المتغير الخفي

عدت إلى ورقتي.

كتبت:

الأب = دعاء.

ثم:

الأم = دعاء.

ثم:

أنا = ؟

توقفت.

كنت أبحث عن كلمة.

ثم فهمت أن الدعاء لا يمكن أن يكون رقمًا.

إنه شيء آخر.

شيء لا يظهر في المعادلة...

لكنه يغير الناتج.

كتبت:

الدعاء = المتغير الخفي.

ثم أضفت:

الأثر = ما يبقى بعد الغياب.

وأخيرًا:

الإنسان = ما يفعله بما تركه فيه من أحبهم.

13 ــ خمسون

وضعت الرقم أمامي:

50

لم أخف منه.

خمسون ليست نهاية الشباب.

وليست بداية النهاية.

إنها نقطة نظر.

من يقف عندها يرى الطريقين:

ما مضى.

وما بقي.

نظرت إلى الوراء.

وجدت طفلًا.

ثم شابًا.

ثم رجلًا.

وجدت أبًا.

وأمًا.

ومطارًا.

ومكة.

ووجدت أبوابًا أغلقت.

وطرقات فتحت.

ووجدت نفسي في كل ذلك.

ثم نظرت إلى الأمام.

كان هناك بياض.

لم يكن مخيفًا.

كان فرصة.

14 ــ المعادلة الأخيرة

كتبت:

الحياة = جمع + طرح + مجهولات

ثم ابتسمت.

هذه هي الحياة.

لن تستطيع أن تعرف كل القيم.

ولا كل الأسباب.

ولا كل النتائج.

لكن عليك أن تكمل الحساب رغم ذلك.

كتبت:

الخسارة ≠ النهاية

ثم:

الغياب ≠ النسيان

ثم:

الموت ≠ انطفاء الأثر

ثم وضعت القلم.

كنت قد عرفت أخيرًا أنني لا أحتاج إلى حل كل شيء.

يكفيني أن أفهم ماذا صنعت بي الأشياء التي حدثت.

15 ــ المرآة

وقفت أمام المرآة.

رأيت رجلًا في الخمسين.

لكنني لم أرَ خمسين سنة فقط.

رأيت الطفل.

رأيت أبي.

رأيت أمي.

رأيت المطار.

ورأيت مكة.

ورأيت الدعاءين.

ورأيت كل ما حاولت الحياة أن تطرحه مني.

ثم سألت نفسي:

ماذا بقي؟

لم يكن الجواب طويلًا.

بقيت الذاكرة.

بقي الحب.

بقي الدعاء.

بقيت القدرة على النهوض.

وبقيت الرغبة في الكتابة.

فهمت أنني لم أخرج من خمسين عامًا بلا خسائر.

خرجت منها بشيء أهم:

لم أخسر نفسي.

16 ــ الصفحة البيضاء

فتحت الدفتر.

كتبت:

1976 → 2026

ثم تركت السهم يمتد.

أردت أن أكتب:

النهاية.

لكن يدي توقفت.

كيف تكون النهاية وهناك صفحة بيضاء؟

كتبت بدلًا منها:


ثم:

50 ≠ النهاية

ثم:

50 = بداية أخرى

تركت المستقبل مجهولًا.

لأول مرة أحببت المجهول.

فالمجهول ليس دائمًا خوفًا.

أحيانًا يكون وعدًا.

17 ــ أبي وأمي

أغلقت عيني.

رأيت أبي في المطار.

كان يستعد للرحيل إلى مكة.

تذكرت دعاءه.

ثم رأيت أمي.

كانت إلى جواري في مكة.

تذكرت دعاءها.

ثم فهمت شيئًا لم أكن أراه طوال سنوات.

لم يكونا مجرد شخصين مرّا في حياتي.

كانا أصل المعادلة.

أما ما تركاه...

فهو الذي ظل يتحرك داخلي بعد غيابهما.

أبي ترك دعاء.

وأمي تركت دعاء.

وأنا حملت الدعاءين.

ومضيت.

18 ــ الخاتمة

في أسفل الصفحة كتبت:

X = ؟

هذه المرة لم أبحث عن رقم.

كتبت:

X = ما يبقى منك حين تأخذ الحياة منك ما تستطيع.

ثم توقفت.

لم تكن الجملة كاملة.

أضفت:

«بقي أبي في دعائه.

وبقيت أمي في دعائها.

وبقيت أنا في قدرتي على أن أبدأ.»

ثم كتبت:

أعظم انتصار ليس أن تربح كل شيء...

بل أن تخسر كثيرًا، ثم تظل أنت.

أغلقت الدفتر.

لكنني لم أغلق القصة.

فالصفحة التالية كانت بيضاء.

وكان القلم ما يزال في يدي.

وهذه المرة...

لم أخف من المجهول.

لأنني عرفت أن بعض المعادلات لا تحتاج إلى حل.

يكفي أن تعيشها.

وأن تمضي.

وأن تترك وراءك أثرًا لا تمحوه السنوات.

رفعت رأسي.

وفي مكان بعيد من الذاكرة، كان أبي لا يزال واقفًا في المطار.

وفي مكان أعمق، كانت أمي لا تزال إلى جواري في مكة.

دعاءان.

رحيلان.

وخمسون عامًا.

ومعادلة واحدة.

لم تستطع الحياة أن تحلها.

لأنني لم أكن الرقم الذي تحاول الحياة حسابه.

كنت...

الناتج الذي بقي بعد كل عمليات الطرح.

ثم كتبت، للمرة الأخيرة:

«وغريسي... ما زال يكتب........»
رحم الله أبي و أمي و جميع موتى المسلمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق