مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 30 أغسطس 2026

نُطْقُ الصَّمْتِ بقلم منداس غريسي

النّص: نُطْقُ الصَّمْتِ

من أبجديات الحروف

بقلم: منداس غريسي / الجزائر

في أبجديات الحروف، تعلّمنا أن لكلِّ حرفٍ صوتًا، ولكلِّ كلمةٍ معنى.

لكنني، كلما تقدّمتُ في العمر، اكتشفتُ أن للحروف وجهًا آخر؛
وجهًا لا يُرى في الأبجدية، ولا يُسمع في الكلام.

إنه الصمت.

جلستُ ذات مساء أمام ورقةٍ بيضاء،
وكان القلم بين أصابعي كطائرٍ حائرٍ يبحث عن سماء.

سألتني الورقة:

— ماذا ستكتب؟

قلت:

— سأكتب ما عجزتُ عن قوله.

فأجابت:

— إذن… ابدأ بالصمت.

ارتبكت.

كيف أكتب شيئًا لا صوت له؟

عندها همس القلم:

— بعضُ الكلام يُكتب بالحبر… وبعضه يُكتب بالوجع.

فبدأتُ أتعلم أبجديةً لم يعلّمني إياها أحد:

الألف: ألمٌ خبّأته ابتسامة.
الباء: بُعدٌ لا تقيسه المسافات.
التاء: تأخّرُ كلمةٍ كان ينبغي أن تُقال.
الحاء: حنينٌ ظلّ واقفًا أمام بابٍ أُغلق إلى الأبد.
والصاد: صمتٌ قال في لحظةٍ واحدة ما عجزت عنه ألفُ خطبة.

ثم توقفت.

كان في الأبجدية حرفٌ ناقص.

بحثتُ عنه بين السطور،
فتشتُ عنه في المعاجم،
سألتُ القلم، وسألتُ الورقة…

فلم يجب أحد.

عندها سألتُ الصمت:

— أين الحرف الأخير؟

طال سكوته.

ثم قال:

— هو الكلمة التي كان عليك أن تقولها… ولم تقلها.

نظرتُ إلى الورقة.

كانت بيضاء.

لكنني، للمرة الأولى، رأيتُ عليها كلَّ شيء:

وجهَ أمٍّ انتظرت كلمةً ولم تسمعها،
يدَ أبٍ امتدت ولم تُمسك،
صديقًا رحل قبل أن نعتذر له،
وحبيبًا تركناه يرحل لأن كبرياءنا كان أعلى من صوت قلوبنا.

فهمتُ أخيرًا…

أن أخطر الكلمات ليست تلك التي نقولها فنندم،
بل تلك التي نحبسها في صدورنا حتى يصبح الصمت شاهدًا علينا.

وضعتُ القلم.

وسألتُ الورقة:

— وهل انتهى النص؟

قالت:

— لم يبدأ بعد.

قلت:

— كيف؟

فأجابت:

— لأنك كتبتَ كلَّ شيء… إلا الكلمة التي جئتَ من أجلها.

رفعتُ عيني إلى الصفحة.

بحثتُ عن تلك الكلمة طويلًا…

ثم أدركتُ أنها كانت هناك منذ البداية.

في البياض.

ومنذ ذلك اليوم، أدركتُ أن أبجديات الحروف لا تُكتب كلها بالحبر؛ فبعضُ الحروف يسكن بين الكلمات، وبعضُ الكلمات يسكن في الصمت، وبعضُ الصمت… ينطق عمرًا كاملًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق