مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

تِيهُ العَجائِز بقلم عبدالفتاح الطياري

تِيهُ العَجائِز
مات زوجها الثاني، وترك لها بيتاً حقيراً في أطراف مدينة سوسة؛ لكنّ ربيبها العاقّ طردها منه بلا رحمة. فوجدت سلمى نفسها متشرّدةً في الأماكن ذاتها التي كانت يوماً مساحة حريتها. كانت المفارقة تقلقها بين إحساسها بالحرية المطلقة في هذه اللحظة، ويقينها التامّ أنها ليست حرّة على الإطلاق.
انصرفت، وبقيت تتأمل ديكور الشارع كأنها تراه لأول مرة؛ كانت لحظةً تحمل في طيّاتها الشرود النفسي، والضياع بين ذاكرةٍ دافئة كانت ومستقبلٍ مجهول، والمباينة القاسية بين معرفتها العميقة بمسالك المدينة وغربتها الكاملة عنها.
كانت الهَبّة الأولى للبرد كافيةً لتجعل نسيج المعطف القديم يبدو أكثر بِلًى ورثاثةً ممّا هو عليه.
سلمى، التي أنفقت سنواتٍ في تسوية الطيّات الحريرية على التماثيل البلاستيكية في واجهات المتاجر الأنيقة، تعرف تماماً كيف تتدلّى الأقمشة الفاخرة، وكيف ينزلق القماش الناعم فوق الأكتاف دون أن يترك أثراً. أمّا الآن، فكانت تُزرّر معطفها الثقيل حتى ياقة العنق، محاولةً حماية الشقّ الصغير في أعلى بطنها، حيث لا يزال موضع جراحة المرارة ينبض بألمٍ مكتوم كلّما سعلت أو خطت خطوةً أسرع من اللازم.
في منتصف جانفي، تكتسي المدينةُ لوناً رصاصياً لا يرحم. الرصيف الداكن يعكس أضواء الإعلانات التلفزيونية الملونة، والبرك الصغيرة المتبقية من مطر الظهيرة تحتفظ بظلال المارة الذين يمرون عجالى.
كان الرصيف يضج بالحركة: موظفون يهرولون نحو محطات النقل بوجوه غاطسة في الياقات الفروية، وعائلات تتوقف أمام واجهات المخابز لتستمتع برائحة الخبز الدافئ، وشبان يتحدثون بصوت مرتفع عبر سماعات هواتفهم.
مرّت امرأةٌ تلفّ رقبتها بوشاحٍ من الكشمير الدافئ؛ لمحتها سلمى وتذكرت على الفور نسق حركة زبائنها القدامى. رفعت سلمى رأسها قليلاً، وعدّلت جلساتها كي لا تبدو خارج السياق، فالشارع في المساء يكتسب حاسة سريعة لتصنيف الأجساد الغريبة أو المحتاجة، وهي في التاسعة والخمسين تُدرك كيف يبتلع الشارع الملامح الفردية ليحولها إلى مجرد ظلال عابرة.
قبل أسابيع قليلة، كان هناك سريرٌ محدد في تلك المقرّات المؤقتة للعلاج، ورفٌّ صغير تضع عليه علبة دواء الحموضة ونظارات القراءة. لكنّ الخروج من المستشفى في بداية الشهر لم يكن عودةً إلى المكان نفسه؛ فالأماكن المحدودة لا تنتظر أحداً. والآن، لم يبقَ في يدها سوى حقيبة سفر متوسطة الحجم، بعجلاتٍ تُصدر صريراً متواصلاً على الإسفلت الخشن.
توقفت قرب مدخل محطة القطار. الهواء الصاعد من النفق يحمل دفئاً ناتجاً عن أنفاس الآلاف وحركة القطارات الدؤوبة، لكنه يحمل أيضاً رائحة الحديد الصدئ والأوراق المحترقة. كانت أضواء النيون الباردة تخلق ظلالاً طويلة وممتدة لكل من يدخل أو يخرج.
فتحت سلمى حقيبتها اليدوية، وتفقدت زجاجة الماء وورقة مطوية من ممرضة المستشفى تسجل عنوان مأوى آخر في أطراف المدينة، ثم أسرعت نحو المكان المعلن خوفاً من أن يُغلق أبوابه...
أحسّت أنها بأحسن حالٍ مما كانت عليه، غير أن الأشباح السوداء ظلت ترافق خطواتها ومستنقع أفكارها. لم تنظر إلى الورقة مرة ثانية، فهي تعرف المدينة كما تعرف جيبها. تنهدت من أعماقها، وبكلماتٍ شرسة استهزأت من حكايتها.
لم تكن القصة تدور حول من أخطأ أو من تقاعس؛ كانت المساحة بين الاستقرار والضياع أرقّ بكثير مما يُتخيل، تنهار أحياناً بضربة واحدة غير متوقعة في الصحة أو العمل.
أمسكت بمقبض الحقيبة بصلابة خوفاً من اللصوص المنتشرين في الممرات الضيقة. لم تبتسم ولم تبكِ، بل نظرت إلى تيار الناس الصاعد والهابط في درجات السلم المؤدي إلى العتمة الدافئة للمحطة. رفعت ياقة معطفها خطوة أخرى إلى الأعلى، وخطت أولى خطواتها إلى الأسفل، غارقةً في الزحام دون أن يلتفت إليها أحد... وهناك، عند القاع، بدأت تتعرف عن قرب على أضلاع سوسة الإسمنتية.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق