مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 15 أغسطس 2026

غريقٌ إرادي بقلم ماهر اللطيف

غريقٌ إرادي

بقلم:ماهر اللطيف/تونس 

شُلَّت حركة المرور، وترجَّل السائقون وركاب العربات. نهض من كان جالسًا، وأُطفئت أجهزة البث أو خُفِّضت أصواتها. ساد المكان سكونٌ مهيب.

راح الجميع يذكر الله، ويسبحه، ويستغفره، ويدعو للميت المحمول على الأعناق في طريقه إلى المقبرة. استحضروا موتاهم، وأطالوا النظر إلى النعش الذي سيحملهم يومًا ما.

التفتُّ خلفي، فإذا برجل يجلس في المقهى، يدندن بصوت خافت، غير عابئ بالميت ولا بموكبه، ولا بإشارات بعض الناس المستنكرة لصنيعه.

ما إن مرَّ الموكب وعادت الحياة إلى المكان حتى أسرعت إليه. ألقيت عليه التحية، ثم سألته بلطف:

ـ ألا ترى أن للموت هيبة تستوجب الاحترام؟

ابتسم ببرود وقال:
ـ أعرفه جيداً... لا يستحق الاحترام.

قلت مستنكرًا:
ـ ولو صحَّ ما تقول، أما سمعت: اذكروا موتاكم بخير؟

ابتسم ساخرًا وقال:
ـ وأيُّ خير أذكره؟ كان محتالًا، سارقًا، كذابًا... لم يترك شرًّا إلا ارتكبه، وسلب عائلتي أراضيَ وعقاراتٍ لا تُحصى.

قلت:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل. له ربٌّ يحاسبه. وتذكَّر أنك ستُرفع على الأعناق يومًا كما رُفع اليوم.

قهقه وقال:
ـ لا تمشِ وراء نعشي حينها.

هممت بالانصراف وأنا أستغفر الله وأسأل الله له الهداية، فإذا بعجوز تتقدم نحوي على مهل وتسأل:

ـ هل مرَّ من هنا موكب جنازة الحاجة فاطمة؟

أشرت لها إلى الطريق، وأنا لا أخفي دهشتي. عندها قال الرجل، ببروده المعهود:

ـ حتى لو كان الميت الحاجة فاطمة، فهي أيضا إنسانة غير سوية و...

لم يُكمل عبارته؛ فقد انهال عليه بعض الحاضرين ركلًا ولكمًا وسبًّا وشتمًا، إذ كانوا يعرفون الحاجة فاطمة عن قرب، ويشهدون لها بحسن السيرة.

وقفت أُحوقل، وأتأمل وجهه الذي لم يتغير رغم كل ما حدث. ثم غادرت المكان وأنا أردد بيني وبين نفسي:

بعض الغرقى... يختارون الغرق، ويحسبونه طوق نجاة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق