مجلة ضفاف القلوب الثقافية

السبت، 15 أغسطس 2026

خَرِيفُ الرُّوحِ وَالظِلَالُ الْهَارِبَةُ بقلم مُحَمَّد الْقَحْطَانِيّ

خَرِيفُ الرُّوحِ وَالظِلَالُ الْهَارِبَةُ

بِقَلَمِ✍ مُحَمَّد الْقَحْطَانِيّ

يَحْدُثُ الْغَرَقُ دُونَ ضَجِيجِ الْمَاءِ؛ يَبْدَأُ بِفِقْدَانِ رَذَاذِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي كَانَتْ تُبَلِّلُ جَفَافَ أَيَّامِنَا.

كُنَّا نَظُنُّ ان الْوُجُودَ أَبَدِيًّا، كَشَمْسٍ لَا تَغِيبُ، 
حَتَّى بَدَأَ الظِّلُّ يَتَقَلَّصُ وَيَمْتَدُّ فِي جِهَةٍ أُخْرَى.

الرَّحِيلُ لَا يَبْدَأُ بِحَقَائِبِ السَّفَرِ، بَلْ بِفَسَادِ الطَّقْسِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ.

حِينَ تُصْبِحُ الْقِصَصُ الطَّوِيلَةُ مُجَرَّدَ بَرْقِيَّاتٍ مُقْتَضَبَةٍ، 
وَحِينَ تَتَحَوَّلُ الضَّحَكَاتُ الْمُشْتَرَكَةُ إِلَى صَدًى بَاهِتٍ فِي غُرْفَةٍ مَهْجُورَةٍ.

نَحْنُ لَا نَفْقِدُ الْآخَرِينَ دُفْعَةً وَاحِدَةً؛ إِنَّهُمْ يَتَسَرَّبُونَ مِنَّا كَرِمَالِ السَّاعَةِ الرَّمْلِيَّةِ، 
حَبَّةً حَبَّةً، حَتَّى نَجِدَ أَيْدِيَنَا فَارِغَةً تَمَامًا وَهُمْ مَا زَالُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمُقَابِلِ.

هَذَا التَّلَاشِي التَّدْرِيجِيُّ هُوَ الْوَجَعُ الْأَخْرَسُ؛ 
لَا تُوجَدُ نُقْطَةٌ فِي آخِرِ السَّطْرِ لِنُعْلِنَ النِّهَايَةَ، 
بَلْ فَرَاغَاتٌ تَتَّسِعُ وَتَلْتَهِمُ الْمَاضِي.

يَجْلِسُ الْقَلْبُ عَلَى رَصِيفِ الِانْتِظَارِ، يَعِيشُ وَهْمًا بِأَنَّ الْمَطَرَ الْقَدِيمَ سَيَعُودُ لِيُحْيِيَ الْعُشْبَ الْمَيِّتَ، 
يَرْفُضُ تَصْدِيقَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي أَعْلَنَهَا الْعَقْلُ.

لَكِنَّ الْمَرَايَا لَا تَكْذِبُ، وَبَعْضُ الْمَلَامِحِ إِذَا غَادَرَتِ الْأَرْوَاحَ لَا تَعُودُ إِلَيْهَا الْأَلْوَانُ.

الْمُصِيبَةُ لَيْسَتْ فِي الْمَقْعَدِ الشَّاغِرِ، بَلْ فِي الطَّيْفِ الَّذِي يَرْفُضُ مُغَادَرَةَ الْمَقْعَدِ، 
فِي الْغِيَابِ الَّذِي صَارَ لَهُ صَوْتٌ وَرَائِحَةٌ وَتَفَاصِيلُ تُقِيمُ مَعَنَا وَتَأْبَى النِّسْيَانَ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق