مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 30 أغسطس 2026

جَدْوَلُ الأَزَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ بقلم طارق رضوان جمعة

جَدْوَلُ الأَزَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ
بقلم الأديب المصري 
د. طارق رضوان جمعة 

حوارٌ مع رجلٍ كان يعرف وجعي قبل أن أحكيه

دخلتُ عليه وأنا أحمل وجعي.

فأشار إلى كرسيٍّ خشبي وقال:
 اجلس... أنت متأخر.

قلت: متأخر عن ماذا؟
ابتسم، وفتح دفترًا ضخمًا أمامه.
— عن موعد أزمتك.

ضحكت. ومن قال إنني أريد أزمة؟

رفع عينيه إليّ وقال: وهل استأذنتك الأزمات قبل أن تأتي؟

كان الدفتر أمامه غريبًا.
اقتربت. فوجدت اسمي.
تحت اسمي خانات كثيرة.

قلت: ما هذا؟

قال: جدول أزماتك.

قلت ساخرًا: وهل للأزمات جداول؟

قال: عند البشر... مفاجآت، وعند الله... أقدار.

قلت: ولماذا أنا؟

قال: هذا هو السؤال الخطأ.

— وما السؤال الصحيح؟

— ماذا ستفعل بما أُعطي لك؟

قلت: لكن بعض ما أُعطي لنا ليس عطاءً!

ابتسم.
— يوسف كان يظن البئر كذلك.
 ويونس ظن البحر نهاية. 

ثم اقترب مني وقال: أنت تنظر إلى بداية القصة، وأنا أنظر إلى آخرها.

نظر للخانة الأولى: خانة البحر.

قلت: ماذا تعني؟

قال: أن تدخل مكانًا لا تستطيع الخروج منه وحدك.

— مثل ماذا؟

— وظيفة تبتلعك.
— علاقة تخنقك.
— خوف يسكنك.
— فكرة تأكل نومك.

ثم قال: أتعرف لماذا كان يونس في بطن الحوت؟

قلت: لكي يدعو الله.

قال: بل لكي يتعلم أن الإنسان حين تسقط عنه كل الأسباب، يكتشف السبب الذي لم يسقط أبدًا.

ثم نظر للخانة الثانية: خانة البئر.

قلت: هذه أعرفها.

قال: لا.

— لماذا؟

— لأنك لم تُرمَ في بئر يوسف.
— أنت رُميت في بئرك أنت.

سألته: وما الفرق؟

قال: بئر يوسف كان عميقًا...

ثم ابتسم: لكن بعض الآبار التي يصنعها الناس داخلنا أعمق.

قلت: وكيف أخرج؟

قال: لا تخرج وأنت تحمل الذين رموك معك.

قلت: يعني أسامحهم؟

قال: لا تتعجل. تعلّم.

— ومتى أسامح؟

— عندما يصبح العفو تحريرًا لك، لا مكافأةً لمن ظلمك.

نظر للخانة الثالثة.

الحصار.

قلت: هذه الخانة أعرفها أيضًا. مررت بها.

قال: كلنا مررنا بها.
— رزق قليل؟
— باب مغلق؟
— ناس لا يفهمونك؟

قلت: وما المطلوب هنا؟

قال: أن تعرف الفرق بين الباب المغلق والباب الذي لم يحن وقته.

قلت: وكيف أعرف؟

قال: لن تعرف. فقط تصبر.

ضحكت: أنت تجعل الصبر جوابًا لكل شيء.

قال: لأنك تسأل الأسئلة كلها من جهة الخوف. اسأل مرةً من جهة اليقين.

قلب الصفحة.

الفقد.

سال: من فقدت؟

قلت: أشياء كثيرة.

قال: الفقد لا يعني أن من رحل انتهى.

قلت: وماذا يعني؟

— أحيانًا يبدأ الغائب في تشكيلك بعد غيابه. لأنك في الفقد تتعلم أن الحب لا يحتاج إلى جسدٍ كي يبقى.

قلب الصفحة.

الانتظار.

تنهدت.

قال: هذه أطول خانة. ماذا تنتظر؟

— الفرج.

قال: كل الناس تقول ذلك.

— وماذا أنتظر غيره؟

قال: أن تتغير أنت قبل أن يتغير الظرف.

قلت: وهل هذا ممكن؟

قال: يعقوب انتظر يوسف... لكنه لم ينتظر الله بالطريقة التي ينتظر بها الناس نتائجهم.

قلت: ماذا تقصد؟

قال: كان حزنه يذهب إلى الله، لا إلى الناس.

ثم كتب: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله».

قلت: وهل هناك خانة للغربة؟

ابتسم وقال بل من أكثر الخانات ازدحامًا.

قلت: كيف تكون الغربة مزدحمة؟

قال: عندما تكون وسط الجميع ولا تجد أحدًا يسمع ما في داخلك.

قلت: وماذا أفعل؟

— لا تخف من الخلوة.

— الوحدة تؤلمني.

— لأنها لم تتحول بعد إلى خلوة.

— وما الفرق؟

قال: الوحدة أن تشعر أن لا أحد معك.

ثم اقترب مني: والخلوة أن تكتشف أن الله معك.

قلت: والخيانة؟

قال: هذه لا تأتي من عدو. تأتي ممن أعطيته ظهرك وأنت مطمئن.

قلت: وهل لها علاج؟

قال: البصيرة. لا تجعل شخصًا واحدًا يسرق منك ثقتك في العالم كله.

قلت: لكن القلب بعد الخيانة لا يعود كما كان.

قال: وهذا ليس عيبًا. لا تعده كما كان. اجعله أنضج.

ثم رأيت خانة لم تكن مثل البقية.

لم يكن عليها اسم.

قلت: وما هذه؟

قال: القبض والبسط.

— ماذا يعنيان؟

قال: أيامٌ تضيق فيها روحك حتى تظن أن الله بعيد. وأيام يتسع فيها صدرك بلا سبب، فتشعر أن العالم كله يبتسم لك.

قلت: ومن أين يأتي هذا؟

قال: لا تسأل دائمًا عن مصدر القبض. اسأل ماذا يريد أن يطهّر.

— والبسط؟

— اسأل ماذا يريد أن يختبر.

قلت: يختبرني في الراحة؟

— نعم.

— أليست المصائب هي الاختبار؟

قال: الراحة تكشفك أيضًا.

ثم كتب: ليس كل قبضٍ عقوبة...
وليس كل بسطٍ مكافأة.

قلت له: إذن أنت تقول إن كل أزمة لها حكمة؟

قال: لا. أنا أقول إن كل أزمة يمكن أن تتحول إلى حكمة.

قلت: ومن يحولها؟
 قال: أنت... إذا أحسنت الوقوف أمامها.

مددت يدي إلى الدفتر. أريد أن أعرف درجتي.

— لا.

— لماذا؟

— لأنك ما زلت تنظر إلى الجدول بعين الطالب لا بعين السالك

قلت: وما الفرق؟

قال: الطالب يسأل: كم حصلت؟

ثم أشار إلى قلبي: والسالك يسأل: كم تغيّرت؟

قلت: ومتى ينتهي الجدول؟

ابتسم. عندما تتوقف عن السؤال.

— أي سؤال؟

قال: «لماذا أنا؟»

قلت: وماذا أقول بدلًا منها؟

قال: تقول «ماذا يريد الله أن يصنع فيَّ من خلال ما يحدث لي؟»

قلت: وهذه الخانة؟

قال: لم تُكتب بعد.

— لماذا؟

قال: لأنك لم تعشها.

ثم أغلق الدفتر.

وقبل أن ينهض، سألته:

— ومن أنت؟

ابتسم. وقال: أنا الرجل الذي يقرأ الجدول... ثم نظر إليّ: وأنت الرجل الذي يكتبه.

اختفى. لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
لأول مرة...
لم أخف من الخانات.

كنت أخاف فقط... أن أكتشف أنني مررت بكل الأزمات... ولم أتغير.

وعندما فتحت الصفحة الأخيرة مرة أخرى، وجدت جملة لم تكن موجودة من قبل: لا يوجد رسوب.

وتحتها: لكن هناك دروسٌ يعود بعضها حتى يتعلم القلب كيف يرى الله في الطريق... لا في نهايته فقط.

أغلقت الدفتر. ومشيت. لم أسأل: متى ينتهي الوجع؟
سألت: ماذا يريد هذا الوجع أن يعلّمني؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق