مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

أرق الطين بقلم محمد قرموشه

أرق الطين
من ديواني أبجدية الطين
أقدم لكم نَصّي الثاني
    ************
أَرَقُ الطِّين
* * *
يجلسُ على حافةِ الغد؛ يداهُ خاويتانِ من كِسَرِ الخبز، لكنَّ أعماقَهُ تفيضُ بوحيِ الوجود. وعلى حنجرتِهِ يقتاتُ الجفافُ، ليمحوَ صوتَهُ الذي بدا متمرِّداً على مواسمِ الجوع. يحاصرُهُ البؤسُ من كلِّ جانب، 
لكنهُ يعتزُّ برجولةٍ يكسوها العفاف؛ يشهدُ على وجعِ الأرضِ بصبرِه، ويدركُ كُنْهَ الألمِ ووجعَ الخطيئة، 
ويسمّي الخديعةَ باسمِها الصريح.
وفجأةً، من وراءِ أفقٍ كادَ السديمُ أن يحجبَه، تمتدُّ يدٌ لا تبدو غريبة؛ بل هيَ كالحبلِ السُّرِّيِّ الذي يعبرُهُ الأملُ المتمرِّد. يدٌ منكهةٌ بالعنفوانِ والكبرياء، ومبطَّنةٌ بالحياءِ الشريف؛ تثبِّتُ المحراثَ في الثرى ليقلبَه، وتحملُ المنجلَ عندَ الحصاد،
 وتغرسُ الزيتونَ وتسقيه، ثم تجنيهِ وتعصرُه.
يدٌ تحاربُ الجهلَ بالفكرِ والكلمة، وتحملُ بينَ أناملِها النورَ والدفءَ والحنان؛ هيَ غمامةٌ حبلى بالغيث، ترجمُ الجفافَ المتغطرس، وتكسرُ صَلَفَ القيود.
ومن ثنايا ذلكَ الغيث، وعلى مقربةٍ من ذلكَ المحراثِ الحاضنِ لأسرارِ البقاء، كانتْ هناكَ طفلةٌ صغيرةٌ بوجهٍ شاحب؛ كأنها الثمرةُ النحيلةُ لوجعِ الأرض، تنتظرُ على موعدٍ مع خبزِ القدر.
تمدُّ يدَها الغضَّةَ لتلتقيَ بفيضِ تلكَ اليدِ المعطاءة، فتلتقطُ الرغيفَ بلهفةٍ وخوف، كمن يعثرُ على كنزٍ ضاعَ في غياباتِ النسيان. تستشعرُ دفءَهُ، وتشمُّ ريحَهُ قبلَ أن تتذوَّقَه.
وفي تلكَ اللحظةِ الوجلة، تزحفُ على وجنتِها دمعةٌ هاملةٌ من مرتعِ أحزانِها المترعِ بفشلِ العدالة، فترفعُ يدَها الأخرى لتكفكفَ بها حُرقةَ الألمِ وقسوةَ الأيام.
فتتحدُ ملوحةُ الدمعِ ودفءُ الخبز، وتولدُ على شفتيها الذابلتينِ بسمةٌ خفيفةٌ مرتجفة؛ تختزلُ انكسارَ الروحِ ونهوضَها، وتلخِّصُ وجعَ الحياةِ كلَّهُ في عناقٍ واحدٍ بينَ الحرمانِ والأمل.
وما بينَ الاثنين، تكمنُ أنيابُ التخاذلِ وتحصيناتُ القيودِ الجائرة، ليغدو رأسي مثقلاً بحقيقةٍ عارية، تقفُ عاجزةً أمامَ سطوةِ وحشٍ تجرَّدَ من إنسانيَّتِه، في لحظةٍ تسودُ فيها الضغائن، وتخبو شعلةُ اليقين. 
وكأنَّ طاحونةَ الحياةِ تدور، 
فلا تأبهُ... 
لا بالحنطةِ ولا بالطحين!
هنا أدركتُ أني لن أنتصرَ على الورق، ولن أحقِّقَ العدالةَ على الورق، ولن أُطعِمَ الجياعَ على الورق، أو أصنعَ من الحنطةِ خبزاً برائحةِ الطينِ على الورق...
فكلُّ هذا الكلامِ، في النهاية، ليسَ سوى أَرَقٍ طويلٍ يُسكبُ على الورق.
لكنَّهُ الأَرَقُ الشريفُ الوحيد؛ الذي يثبتُ للعالمِ أنني كنتُ هنا، وأنني رفضتُ أن أكونَ منَ المغفَّلين.
         * * *
بقلم: محمد قرموشه
       * *
فإذا انكسرتْ في النهايةِ محابرُنا، حسبُنا أنَّ شواهدَ قبورِنا لن تكونَ بيضاءَ صامتة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق