مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 30 أغسطس 2026

لَيْتَنِي سِيبَوَيْهِ بقلم مَنْدَاسْ غَرِيسِي

النّص: لَيْتَنِي سِيبَوَيْهِ

بقلم الشاعر: مَنْدَاسْ غَرِيسِي / الجزائر

لا أُتْقِنُ فَنَّ الكلامِ... ففي جوفي مُعْجَمٌ، وفي فمي ألفُ سؤالٍ، لكنَّ غزةَ أضاقتْ على اللغةِ مَخارجَها.

ليتني سيبويهُ... لأُعربَ هذا الوجعَ الذي لا يُعرب، وأضعَ للدمعِ حركةً، وللشهيدِ علامةَ رفعٍ لا تُسقطها الرياح.

ليتني المتنبي... لأستعيرَ من سيفِ القصيدةِ بيتًا يليقُ بهذا الجرح، وأقولَ للزمان: تمهّلْ... فإنَّ في غزةَ ما سيكتبُ التاريخَ من جديد.

ليتني امرؤُ القيس... لأبكي على الأطلالِ، لكنْ... أيُّ أطلالٍ أبكي وغزةُ كلُّها صارتْ أطلالًا؟

يا غزة...

أضفتِ على الوجعِ وجعًا، وعلى الصمتِ صرخةً، وعلى الحرفِ عجزًا.

جئتُكِ وفي جوفي معجمٌ، فعادَ المعجمُ يتيمًا، وجئتُكِ بقصيدةٍ، فعادتِ القصيدةُ تبحثُ عن كلمةٍ تليقُ بطفلٍ نامَ ولم يستيقظ...

فماذا أقول؟

أقولُ: صبرًا؟ والصبرُ منكِ تعلّمَ الصبر.

أقولُ: موتًا؟ والموتُ أمامَ شهيدِكِ يبدو صغيرًا.

أقولُ: غزة؟ وكيف أختصرُ وطنًا في أربعةِ أحرف؟

لستُ شاعرًا أمامَ غزة... أنا شاهدٌ.

والشاهدُ حين يرى الحقيقةَ لا يحتاجُ إلى البلاغة، يكفي أن يقول:

كان هنا طفلٌ... وكان هنا بيتٌ... وكانت هنا أمٌّ تخبّئ قلبَها تحتَ الركام.

فإن عجزَ الكلامُ، فليتكلمِ الدمع.

وإن عجزَ الدمعُ، فليتكلمِ الحجر.

وإن عجزَ الحجرُ، فليتكلمِ التاريخ.

أما أنا...

فسأظلُّ أبحثُ في العربيةِ عن كلمةٍ واحدةٍ لا تخجلُ من غزة.

ولعلّي، حين أعثرُ عليها، أكتبُ بها قصيدتي الأخيرة.

أما الآن...

فلا أُتقنُ فنَّ الكلامِ، لأنَّ غزةَ أضافتْ على الوجعِ وجعًا، وأضافتْ على اللغةِ عجزًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق