مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الجمعة، 4 سبتمبر 2026

نَمْرُودُ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ وَالْعِشْرِينَ بقلم منداس غريسي

النّص: نَمْرُودُ الْقَرْنِ الْوَاحِدِ وَالْعِشْرِينَ

بقلم الكاتب: منداس غريسي – الجزائر

حين ينسى العابرُ أن الأرض لا تُورَّث للظل

لم يحتج نمرود هذا الزمان إلى تاج.

فالتاج، في عصرٍ كهذا، صار قديمًا.

يكفيه حسابٌ لا ينفد، وأرضٌ تتسع كلما ضاق بها غيره، وأبوابٌ

 تعرف يده قبل أن يطرقها، وأصواتٌ تعلمت أن ترتب كلماتها قبل أن 

تصل إليه.

لم يكن يعلن نفسه فوق الناس.

كان يترك للأشياء أن تقول ذلك عنه.

فالكرسي المرتفع يقول.

والحارس الواقف يقول.

والباب الذي يُفتح لبعض الوجوه ويظل مغلقًا في وجه أخرى... يقول أكثر.

حتى الصمت كان قد تعلّم لغته.

في البداية، كان يجمع المال.

ثم صار المال يجمع له النفوذ.

ثم صار النفوذ يشتري له الأرض.

ثم صارت الأرض تشتري له الرجال.

وهكذا، دون أن يشعر، لم يعد يملك الأشياء...

بل صارت الأشياء تملك الآخرين باسمه.

كان يشتري شبرًا من التراب، فيصبح وراءه شبر آخر.

ويضع حجرًا عند حدّ، فيصبح الحدّ بعد سنوات سورًا.

ثم ينظر من خلف السور فلا يرى إلا ما يسمح له السور أن يراه.

وهكذا يبدأ القصر الحقيقي:

ليس حين ترتفع الجدران حول الإنسان...

بل حين ترتفع الجدران داخله.

كان يعرف سعر كل شيء.

الأرض.

الذهب.

الصفقة.

الوقت.

الرجل.

لكنه لم يعرف ثمنًا واحدًا:

ثمن أن يفقد الإنسان قدرته على سماع كلمة لا.

تلك الكلمة الصغيرة كانت أخطر من كل خصومه.

لأنها تذكّر صاحب القوة بأن هناك شيئًا خارج إرادته.

لذلك أحب الذين يقولون نعم.

حتى صار لا يرى في المرآة إلا نعمًا كثيرة.

وحين تختفي «لا» من حياة رجل، تبدأ الحقيقة في مغادرة المكان.

لم يكن بحاجة إلى أن يرفع صوته.

فالخوف، حين يستقر طويلًا، يتعلم أن يخفض الصوت نيابةً عن صاحبه.

يكفي أن يعرف الناس من يستطيع أن يمنح، ومن يستطيع أن يمنع.

من يفتح الباب.

ومن يغلقه.

من يرفع الاسم.

ومن يسقطه.

وعندها يصبح الظلم أكثر هدوءًا.

لا يطرق الأبواب بعنف.

يدخل من الممرات الرسمية.

يجلس خلف مكتب.

يضع ختمًا.

ثم يمضي.

وكان له حوله رجال كثيرون.

لكن كثرة الرجال ليست دليلًا على القوة.

أحيانًا تكون دليلًا على أن أحدًا لا يجرؤ على الاقتراب بما يكفي ليقول الحقيقة.

كانوا يحيطون به كما تحيط الأقمار بكوكبٍ لا تعرف أنها تدور حول فراغه.

يمدحون ظله.

يحفظون ملامح رضاه.

يقرأون في صمته ما يريدون.

وكان كل واحد منهم يعتقد أنه قريب منه.

حتى إذا مالت الكفة، اكتشفوا أنهم كانوا قريبين من الكرسي...

لا من الرجل.

أما الأرض، فكانت تعرف أكثر منهم.

كانت تحت قدميه منذ البداية، ولم تعترف به سيدًا.

حملت خطاه كما حملت خطى من سبقه.

لم تسأله عن اسمه.

ولم تتوقف عند حدوده.

كان يضع الحدود على الخرائط.

وهي تضع الحقيقة في التراب.

هو يقول: «هذه لي».

والتراب، بصمته القديم، لا يجيبه.

لأنه يعرف أن كل «لي» مؤقتة...

إلا «إليك».

كبرت مملكته.

وصغر هو.

تلك هي الحيلة القديمة للسلطة.

كلما اتسعت المساحة حول صاحبها، أوهمته أنه اتسع معها.

حتى يأتي يوم يحتاج فيه إلى مدينة كاملة كي يشعر بالأمان.

ثم إلى سور.

ثم إلى حرس.

ثم إلى أجهزة.

ثم إلى عيون في كل مكان.

وفي النهاية...

يصبح الرجل الذي يملك كل شيء عاجزًا عن النوم دون أن يتأكد أن كل شيء تحت السيطرة.

وهنا تكون المملكة قد أكلت ملكها.

كان يظن أن نهايته تحتاج إلى عدو.

لم يعرف أن النهاية لا تحتاج إلى عدو.

يكفيها أن تنتظر.

فالزمن لا يهاجم أحدًا.

إنه فقط لا يتوقف.

يمرّ على القصور كما يمرّ على الأكواخ.

يمرّ على الملوك كما يمرّ على الفقراء.

لا يخلع أحدًا بيده.

فقط يترك الأشياء حتى تكشف أعمارها.

ثم جاء اليوم الذي لم تعد فيه الجدران تعرف صاحبها.

دخل الصمت القصر قبل أن يخرج منه.

بقيت المفاتيح.

بقيت الخزائن.

بقيت الأوراق.

بقيت الأرض.

حتى الكرسي ظل في مكانه.

لكن شيئًا واحدًا غاب:

ذلك الرجل الذي كان يظن أن العالم يتوقف إذا توقفت يده.

لم يتوقف العالم.

وهذه، ربما، كانت أقسى نهاياته.

لم تكن المأساة في أن يموت.

فالموت لا يميز بين نمرودٍ وراعي غنم.

المأساة أن يكتشف، متأخرًا، أن كل ما جمعه كان قابلًا لأن يستمر بدونه.

أن المال لم يكن يحتاج إلى يده.

والأرض لم تكن تحتاج إلى اسمه.

والقصر لم يكن يحتاج إلى جسده.

والناس...

كانوا سيواصلون المشي.

هنا فقط تظهر الحكاية القديمة في مرآة جديدة.

كان هناك من ظن أن ملكه يحميه من السماء.

وهنا من ظن أن ماله يحميه من الزمن.

الأول تحدى الحقيقة.

والثاني حاول شراءها.

وكلاهما نسي أن هناك شيئًا لا يُشترى.

ولا يُختم.

ولا يُحرس.

ولا يُؤجل.

قد يملك نمرود القرن الواحد والعشرين آلاف الهكتارات، لكنه لا يملك موضعًا واحدًا في الأرض بعد الرحيل.

قد يملك خزائن لا تنام أرقامها، لكنه لا يملك دقيقة يضيفها إلى عمره.

قد يملك منابر كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يأمر التاريخ بما يقول عنه.

وقد يملك وجوهًا كثيرة حوله...

لكنه سيكتشف في النهاية أن الإنسان، مهما ازدحم حوله الناس، يدخل بعض الأبواب وحيدًا.

وحين تُطفأ الأنوار،

وتُغلق الأبواب،

ويعود القصر إلى حجمه الحقيقي،

تظل هناك حقيقة صغيرة لا تحتاج إلى خطيب:

التراب لا يعرف الملوك.

يعرف الأجساد.

والزمن لا يحفظ أصحاب الثروات.

يحفظ الأثر.

والأثر لا تصنعه كثرة ما أخذت من الحياة...

بل مقدار ما تركت فيها.

لذلك، يا نمرود القرن الواحد والعشرين،

اجمع ما شئت.

مدّ يدك إلى الأرض.

ارفع جدرانك.

املأ خزائنك.

أكثر من الحراس.

واشترِ ما تستطيع شراءه.

لكن لا تنسَ شيئًا واحدًا:

إن استطعت أن تجعل الأرض تضيق على غيرك، فلن تستطيع أن تجعل القبر يتسع لك.

وحين تأتي ساعتك...

لن يأتيك المال.

ولا الحرس.

ولا الذين كانوا يقولون نعم.

لن تأتيك الأرض التي قلت يومًا إنها لك.

ستأتيك وحدك.

وستكون المسافة بينك وبين التراب...

أقصر من كل المسافات التي قطعتها وأنت تظن أنك تملك العالم.

وعندها،

حين لا يبقى من الجبروت إلا اسمه،

ومن القصر إلا جدرانه،

ومن المال إلا أرقامه،

ومن الرجل إلا جسده،

سيعرف التراب سرًا عرفه منذ البداية:

أن الذي أراد أن يكون فوق الجميع،
لم يكن يعرف إلى أين ينتهي كلُّ علوّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق