مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

ما الذي حصل بقلم ماهر اللطيف

ما الذي حصل؟

بقلم:ماهر اللطيف/تونس 

بعد صلاة الفجر بقليل، كان جمع من المصلين أمام مقهى الحي يتجاذبون أطراف الحديث؛ يضحكون ويمزحون ويستعيدون بعض الذكريات المشتركة.

تقدموا خطوات نحو بهو المقهى، فإذا بصوت ارتطام قوي خلفهم.

التفتوا دفعة واحدة، فرأوا جسدًا بشريًا ممددًا على الأرض، والدماء تنزف من رأسه وأنفه.

هرعوا إليه.

قال لهم بصوت متقطع، وهو يئن ويتألم:
— لا بأس... لا بأس، أنا بخير والحمد لله.

انحنى عليه خالد وسأله:
— ما الذي حصل لك يا تقي الدين؟

أجاب بصعوبة:
— كنت أنوي الذهاب إلى بيت الراحة، عمت بصيرتي، وظننت أنني أعبر باب غرفتي، فإذا بي أسقط من النافذة المطلة على الشارع. ارتطمت بإسمنت شرفة الطابق الأول، ثم سقطت أرضًا.

نظر إليه علي في ذهول وقال:
— كيف ذلك؟ ألم تتعود على غرفتك منذ الولادة إلى هذه السن؟

هزّ تقي الدين رأسه وقال:
— لا أعلم ما الذي حصل.

طلب أحدهم الإسعاف، فيما طلب آخر الشرطة نظرًا لغرابة الحادث.

كيف لرجل في الخمسين، معروف برصانته وتعقله، أن يخطئ بين باب غرفته ونافذتها؟ أهو مجرد حادث عرضي، أم أن وراءه ملابسات أخرى؟

في لمح البصر، اكتظ المكان بالناس؛ كلٌّ يدلي بدلوه، وآخر يفتي بما لا يعلم، فيما كان تقي الدين يسبح في دمائه، وأفراد أسرته في حالة يرثى لها، لا يكادون يصدقون ما يحدث أمام أعينهم.

بعد دقائق، دوّى صوت سيارة الإسعاف.
قدّم الأعوان الإسعافات الأولية، ثم نُقل المصاب إلى أقرب مستشفى. حضرت الشرطة أيضًا، وشرعت في عملها في الإبان، فيما توجه فريق آخر إلى المستشفى لمتابعة الحالة والبحث في ملابسات الحادث.

في الأثناء، كان رواد المقهى يستعيدون سيرة تقي الدين: حسن سلوكه، رصانته، عزوفه عن الزواج، ابتعاده عن الناس، كثرة عبادته واعتكافه في المساجد، مواظبته على قراءة القرآن وحضور مجالس العلم، وحبه للأطفال...

ثم تذكر بعضهم أنه لوحظ عليه، في الآونة الأخيرة، بعض التعب والاضطراب.

بعد زهاء ساعتين من العناية الطبية خلف الأبواب المغلقة، تبيّن أن تقي الدين تعرض لنزيف حاد في الرأس، وارتجاج في المخ، وكسور عديدة في أنحاء مختلفة من جسده، وأن حالته حرجة جدًا.

طُلب من أهله الدعاء له، في انتظار ما يستطيع الفريق الطبي القيام به لإنقاذه.

ثم خرج الطبيب وطلب من أخيه الأكبر أحمد أن يتبعه إلى مكتبه.

أخبره، بعد تردد، أن الجثة ستخضع للتشريح لتحديد سبب الوفاة وملابساتها.

شُرحت الجثة، وواصلت الشرطة أبحاثها، ثم وُوري تقي الدين الثرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق