مجلة ضفاف القلوب الثقافية

الأحد، 13 سبتمبر 2026

رفيقةُ الحلم المعلّق بقلم عبدالفتاح الطياري

رفيقةُ الحلم المعلّق
«إلى الحكاية التي أنقذها الفراق من مقصلة الواقع، فبقيت أبدية.»
سقطت عيناه على ركن الوفيات في جريدة الصباح، فتجمّدت الملعقة في فنجان قهوته. لم يكن الاسم مجرد حروف رُصّت بحبر باهت؛ كان «رفيقة»، الاسم الذي طالما كان "صنوًا للروح"* قبل أن تجرفه عواصف السبعينات العاتية.
في تلك السنوات البعيدة، يوم كانت أروقة المعهد تموج بالمنشورات السرية والشعارات المخطوطة بجرأة على الجدران الباردة، كان حبهما العذري ينمو وسط الخوف. كانت شريكة الفكرة ورفيقة الدرب؛ يتبادلان نظرات خاطفة تخفي لهفةً تعجز الكلمات عن البوح بها. غير أن بطش السلطة لم يرحم حلمهما الغض، فجاء قرار الطرد والملاحقات الأمنية كحد السيف، ليقطع الطريق ويمزق الرابطة في ليلة واحدة. افترقا دون وداع يليق بحجم البدايات، ومضى كل منهما في دروب لم يخترها، ولم يلتقيا بعد ذلك اليوم أبدًا.
قرأ في النعي أنها رحلت بعد صراع طويل مع المرض. لم تنهمر من عينيه دمعة، ولم ينفطر قلبه بالبكاء المألوف، بل أحس بوخزة غائرة في صدره؛ ألم بارد يشبه نبش جرح قديم التأم على عرج. أعاده الخبر عقودًا إلى الوراء؛ إلى همساتها بين رفوف المكتبة، وأحلامهما التي هربت مع الريح، وشغف الشباب يوم ظنا أنهما قادران على إعادة صياغة العالم.
طوى الجريدة ببطء، وقرر ألا يتبع الجنازة. لم يشأ أن يرى نعشًا يُوارى في الثرى، ولا وجهًا ذابلًا أرهقته السنون وأنهكته الأسقام، فيخدش ملامح الصبية المحفورة في وجدانه بضفيرتها السمراء وعينيها المتقدتين بالأمل. آثر أن يترك الحكاية معلقة في فضاء النقاء، كاملة، لا تشوبها كسور الخيبة ولا فتور النهايات.
سرح بخياله في السؤال الأزلي: لو أن القدر أنصفهما وتزوجا، هل كانا سيعيشان في سعادة؟ هز رأسه نافيًا، وابتسامة مريرة تعلو شفتيه. فالحياة بارعة في تبديل الطباع وسحق الألق، وكان الروتين اليومي كفيلًا بإنزال تلك العاطفة المقدسة إلى حضيض الاعتياد.
ماتت رفيقة، وبقي الحب معلقًا خارج الزمان والمكان؛ لم يفرقهما الموت اليوم، بل حماهما الغياب القديم من خيبة الأيام، فظل حلمهما طاهرًا كما وُلد لأول مرة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس 
*صنوا للروح : فالصِّنوان هما نخلتان أو شجرتان تخرجان من أصل واحد وجذر واحد (كما ورد في القرآن الكريم: «صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ»).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق