مجلة ضفاف القلوب الثقافية

▼

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

ثلاث ساعات بين عتاب العمر وحنين القلب بقلم جمال الشلالدة

ثلاث ساعات بين عتاب العمر وحنين القلب
صعدت إلى الطائرة متجها إلى مسقط ولم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي لقاء يعيد سنوات العمر إلى لحظة واحدة
في صالة الانتظار لمحتها جالسة بهدوء ترتدي لباسا إسلاميا أنيقا ويشرق وجهها بلا نقاب
تلاقت عيوننا فعرفتها قبل أن ينطق لساني باسمها وكأن الذاكرة احتفظت بملامحها بعيدا عن عبث السنين
ابتسمت بدهشة امتزجت بالدموع واقتربت وجلست إلى جانبي وكأن المسافات التي فرقتنا طوال العمر لم تكن سوى غفوة طويلة
نظرت إلي وقالت بعتاب خافت لقد تأخرت كثيرا
قلت لها بعض المواعيد لا يحددها الوقت وإنما يكتبها القدر حين يشاء
ضحكنا ونحن نستعيد حكايات قديمة حسبنا أن الأيام دفنتها ثم صمتنا فجأة حين اكتشفنا أن في القلب كلاما أكبر من أن تحمله الكلمات
سألتها عن وجهتها فأخبرتني أنها ذاهبة إلى زوجها المهندس في مسقط حيث ينتظرها بيت جمعهما على المودة والصبر والدعاء
حدثتني عن أبنائها الذين كبروا وتفرقوا في دروب الحياة فمنهم الطبيب ومنهم المهندس ومنهم من بدأ حياة جديدة بعيدا عن بيت العائلة
وأخبرتها عن أبنائي وبناتي الذين كبروا هم أيضا وصنع كل واحد منهم طريقه حتى وجدنا أنفسنا نقف على عتبة العمر نراقب أبناءنا وهم يمضون إلى مستقبلهم ونستعيد نحن ما تبقى من ذكرياتنا
قالت كنا نحلم يوما ببيت صغير يجمع أحلامنا فصار لكل منا بيت وعائلة ووطن
قلت لها لكن بعض الأحلام لا تكبر معنا ولا ترحل عنا بل تبقى في زاوية من القلب كما تركناها أول مرة
عاتبتني على غيابي الطويل وعاتبتها على صمتها واستسلامها للظروف
لم يكن عتابنا جرحا ولا رغبة في استعادة ما مضى بل كان حنينا متأخرا يبحث عن كلمات ضاعت بين الأيام
تحدثنا عن رسائل قديمة وعن أحلام كنا نظن أن الغد ينتظرنا لنحققها ثم ضحكنا من خوفنا يومها من المستقبل
لكن ضحكتنا خفتت حين أدركنا أن ذلك المستقبل صار ماضيا وأن الوجوه التي كانت تنتظر العمر أصبحت تحصي ما مضى منه
ثلاث ساعات مرت كأنها لحظة وكأنها عمر كامل
نسينا ضجيج المطار وحركة المسافرين ولم نعد نرى حولنا سوى وجوه الذكريات التي عادت إلينا دفعة واحدة
ثم دوى الإعلان معلنا اقتراب موعد الصعود إلى الطائرة فعاد بنا صوت الواقع من رحلة لم نكن نريد لها أن تنتهي
نظرت إلي وقالت يبدو أن الفراق يعرف طريقه إلينا دائما
تأملتها طويلا أحاول أن أحفظ ملامحها في عيني وكأنني أخشى أن تأخذها الأيام مني مرة أخرى
قالت سامحني إن قصرت يوما
فقلت سامحيني إن تأخرت حتى أصبح للقاء طعم الوداع
وقفنا والحقائب في أيدينا والقلوب معلقة بلحظة لا تريد أن تمضي
لوحت لي وهي تسير نحو طريقها ودموعها تلمع تحت أضواء المطار
ولوحت لها عاجزا عن الكلام فقد كانت في صدري كلمات كثيرة لكن الوداع حين يشتد يصبح الصمت أبلغ من كل حديث
مضت إلى زوجها وإلى حياتها التي بنتها عبر السنين ومضيت إلى وجهتي أحمل لقاء لم يتجاوز ثلاث ساعات لكنه أيقظ في داخلي عمرا كاملا
جلست وحدي أستعيد تفاصيل اللقاء وأدركت أن بعض الأشخاص لا يعودون إلى حياتنا ليبقوا فيها بل ليذكرونا بأن في أعماقنا أشياء لم يستطع الزمن أن يغيرها
لقد مضى كل منا في طريقه وكبر أبناؤنا وتبدلت أحلامنا وشابت رؤوسنا لكن شيئا واحدا ظل كما كان ذكرى لا تشيخ وحكاية لم يقل لها القلب كلمته الأخيرة
وفي نهاية الرحلة أدركت أن الطائرات تستطيع أن تحملنا إلى أبعد البلدان لكنها لا تستطيع أن تنتزعنا من الأماكن التي تركنا فيها قلوبنا
ثلاث ساعات جمعتنا ثم فرقنا العمر من جديد
لكنها كانت كافية لأفهم أن بعض اللقاءات لا تعيد الماضي وإنما تجعلنا نشعر به للمرة الأخيرة بكل ما فيه من دفء وندم وحنين
وربما كانت أقسى لحظات العمر أن تلتقي بمن كان يوما حلما في حياتك فتكتشف أن لكل منكما حياة كاملة وأن كل ما بقي لكما هو ذكرى جميلة ووداع مؤجل منذ سنوات
فبعض الحكايات لا تنتهي حين يفترق أصحابها بل تبقى معلقة بين عتاب لم يكتمل وحنين لا يعرف النسيان

بقلم م. جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق