صعدت إلى الطائرة متجها إلى مسقط ولم أكن أعلم أن القدر يخبئ لي لقاء يعيد سنوات العمر إلى لحظة واحدة
في صالة الانتظار لمحتها جالسة بهدوء ترتدي لباسا إسلاميا أنيقا ويشرق وجهها بلا نقاب
تلاقت عيوننا فعرفتها قبل أن ينطق لساني باسمها وكأن الذاكرة احتفظت بملامحها بعيدا عن عبث السنين
ابتسمت بدهشة امتزجت بالدموع واقتربت وجلست إلى جانبي وكأن المسافات التي فرقتنا طوال العمر لم تكن سوى غفوة طويلة
نظرت إلي وقالت بعتاب خافت لقد تأخرت كثيرا
قلت لها بعض المواعيد لا يحددها الوقت وإنما يكتبها القدر حين يشاء
ضحكنا ونحن نستعيد حكايات قديمة حسبنا أن الأيام دفنتها ثم صمتنا فجأة حين اكتشفنا أن في القلب كلاما أكبر من أن تحمله الكلمات
سألتها عن وجهتها فأخبرتني أنها ذاهبة إلى زوجها المهندس في مسقط حيث ينتظرها بيت جمعهما على المودة والصبر والدعاء
حدثتني عن أبنائها الذين كبروا وتفرقوا في دروب الحياة فمنهم الطبيب ومنهم المهندس ومنهم من بدأ حياة جديدة بعيدا عن بيت العائلة
وأخبرتها عن أبنائي وبناتي الذين كبروا هم أيضا وصنع كل واحد منهم طريقه حتى وجدنا أنفسنا نقف على عتبة العمر نراقب أبناءنا وهم يمضون إلى مستقبلهم ونستعيد نحن ما تبقى من ذكرياتنا
قالت كنا نحلم يوما ببيت صغير يجمع أحلامنا فصار لكل منا بيت وعائلة ووطن
قلت لها لكن بعض الأحلام لا تكبر معنا ولا ترحل عنا بل تبقى في زاوية من القلب كما تركناها أول مرة
عاتبتني على غيابي الطويل وعاتبتها على صمتها واستسلامها للظروف
لم يكن عتابنا جرحا ولا رغبة في استعادة ما مضى بل كان حنينا متأخرا يبحث عن كلمات ضاعت بين الأيام
تحدثنا عن رسائل قديمة وعن أحلام كنا نظن أن الغد ينتظرنا لنحققها ثم ضحكنا من خوفنا يومها من المستقبل
لكن ضحكتنا خفتت حين أدركنا أن ذلك المستقبل صار ماضيا وأن الوجوه التي كانت تنتظر العمر أصبحت تحصي ما مضى منه
ثلاث ساعات مرت كأنها لحظة وكأنها عمر كامل
نسينا ضجيج المطار وحركة المسافرين ولم نعد نرى حولنا سوى وجوه الذكريات التي عادت إلينا دفعة واحدة
ثم دوى الإعلان معلنا اقتراب موعد الصعود إلى الطائرة فعاد بنا صوت الواقع من رحلة لم نكن نريد لها أن تنتهي
نظرت إلي وقالت يبدو أن الفراق يعرف طريقه إلينا دائما
تأملتها طويلا أحاول أن أحفظ ملامحها في عيني وكأنني أخشى أن تأخذها الأيام مني مرة أخرى
قالت سامحني إن قصرت يوما
فقلت سامحيني إن تأخرت حتى أصبح للقاء طعم الوداع
وقفنا والحقائب في أيدينا والقلوب معلقة بلحظة لا تريد أن تمضي
لوحت لي وهي تسير نحو طريقها ودموعها تلمع تحت أضواء المطار
ولوحت لها عاجزا عن الكلام فقد كانت في صدري كلمات كثيرة لكن الوداع حين يشتد يصبح الصمت أبلغ من كل حديث
مضت إلى زوجها وإلى حياتها التي بنتها عبر السنين ومضيت إلى وجهتي أحمل لقاء لم يتجاوز ثلاث ساعات لكنه أيقظ في داخلي عمرا كاملا
جلست وحدي أستعيد تفاصيل اللقاء وأدركت أن بعض الأشخاص لا يعودون إلى حياتنا ليبقوا فيها بل ليذكرونا بأن في أعماقنا أشياء لم يستطع الزمن أن يغيرها
لقد مضى كل منا في طريقه وكبر أبناؤنا وتبدلت أحلامنا وشابت رؤوسنا لكن شيئا واحدا ظل كما كان ذكرى لا تشيخ وحكاية لم يقل لها القلب كلمته الأخيرة
وفي نهاية الرحلة أدركت أن الطائرات تستطيع أن تحملنا إلى أبعد البلدان لكنها لا تستطيع أن تنتزعنا من الأماكن التي تركنا فيها قلوبنا
ثلاث ساعات جمعتنا ثم فرقنا العمر من جديد
لكنها كانت كافية لأفهم أن بعض اللقاءات لا تعيد الماضي وإنما تجعلنا نشعر به للمرة الأخيرة بكل ما فيه من دفء وندم وحنين
وربما كانت أقسى لحظات العمر أن تلتقي بمن كان يوما حلما في حياتك فتكتشف أن لكل منكما حياة كاملة وأن كل ما بقي لكما هو ذكرى جميلة ووداع مؤجل منذ سنوات
فبعض الحكايات لا تنتهي حين يفترق أصحابها بل تبقى معلقة بين عتاب لم يكتمل وحنين لا يعرف النسيان
بقلم م. جمال الشلالدة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق