مجلة ضفاف القلوب الثقافية

▼

السبت، 7 نوفمبر 2026

التربية العرجاء بقلم منداس غريسي

النّص: التربية العرجاء

    حين تنكسر إحدى رجلي التربية تحت وطأة المصالح والتنازلات

    ليست التربية كلماتٍ تُلقى، ولا نصوصًا تُعلَّق على الجدران، ولا شعاراتٍ تُرفع في المناسبات؛ إنّها منظومة قيمٍ تمشي على قدمَي العدل والانضباط، وتستمدّ قوتها من هيبة القانون، ونزاهة الموقف، واستقامة الميزان. فإذا اختلّت إحدى هاتين القدمين، تعثّرت المسيرة، وإن بدا للعيون أنّ الركب لا يزال يسير.

    تبدأ التربية العرجاء حين تتقدّم المصلحة على المبدأ، ويُستبدل ميزان الاستحقاق بميزان النفوذ، وتصبح التنازلات المتكررة سياسةً غير معلنة، لا استثناءً تفرضه الضرورة. عندها لا يعود الخطأ خطأً يُصحَّح، بل يتحوّل إلى عرفٍ يُمارَس، ولا تعود الرداءة حالةً عابرة، بل تجد من يهيّئ لها المقاعد، ويفرش لها الطريق، ويمنحها من الشرعية ما لا تستحق.

   وما أشدّ عطب التربية حين يصبح صاحب الحق مطالبًا بتبرير حقّه، بينما يجد صاحب النفوذ الأبواب مفتوحةً أمامه! حين تُوزن المواقف بمقدار أصحابها لا بمقدار عدالتها، وتُقاس القرارات بما تخلّفه من رضا الأقوياء، لا بما تحقّقه من مصلحة الجماعة. هناك، لا يختلّ ميزان الإدارة وحده، بل يختلّ المعنى الذي أُنشئت المؤسسة من أجله.

   إنّ أخطر ما يهدّد المنظومة التربوية ليس نقص الوسائل، ولا ضيق الإمكانات، ولا حتى تراكم المشكلات؛ إنّما أن تفقد قدرتها على التمييز بين الواجب والمجاملة، وبين الحكمة والخوف، وبين المرونة والتفريط. فليس كلّ تنازل حكمة، ولا كلّ صمت تعقّلًا، ولا كلّ تسوية إصلاحًا؛ إذ قد يكون بعض الصمت توقيعًا غير مرئيّ على استمرار الخلل، وقد تكون بعض المجاملات مسامير تُدقّ في نعش العدالة.

    وحين يطغى أهل النفوذ، تتبدّل الأدوار في مشهدٍ بالغ المفارقة؛ فيصبح الملتزم متشدّدًا، والمنضبط متعسّفًا، والمطالب بأداء الواجب مصدر إزعاج، بينما يُقدَّم المتهاون في صورة المتفهّم، ويُكافأ المفرّط براحةٍ لم يكسبها، ويُترك المجتهد وحيدًا في مواجهة طاحونة التبريرات.

   وليس في ذلك انتصارٌ لأحد، بل هزيمةٌ صامتةٌ لمؤسسةٍ يفترض أن تكون مدرسةً للعدل قبل أن تكون فضاءً للتعليم. فالناشئة لا تتعلّم من المقرّرات وحدها، بل تقرأ سلوك الكبار، وتفهم الرسائل التي تمرّ بين الكلمات، وتدرك سريعًا أنّ ما يُقال عن الانضباط قد لا يشبه ما يُمارَس، وأنّ العدالة التي لا تصمد أمام النفوذ ليست سوى درسٍ آخر في ازدواجية المعايير.

   إنّ التربية التي تكيل بمكيالين تخرّج أجيالًا تحفظ النصوص ولا تؤمن بالقيم، وتطالب بالحقوق دون أن تستشعر الواجبات؛ لأنّها رأت بأمّ عينها أنّ الطريق إلى الامتياز لا يمرّ دائمًا عبر الاجتهاد، وأنّ بعض الأبواب لا تفتحها المفاتيح، بل تفتحها الأسماء والصلات.

   ولعلّ أكثر ما يستحقّ التأمّل أنّ الرداءة لا تنتصر دائمًا بقوّتها، بل قد تنتصر بتعب النزهاء، وبانسحاب أصحاب الضمائر، وباعتياد الآخرين على المشهد حتى يصبح المنكر مألوفًا، والمألوف قانونًا غير مكتوب. وهكذا تتّسع رقعة العرج، لا لأنّ التربية عاجزة عن الوقوف، بل لأنّ بعض من يُفترض أن يسندها صاروا يثقلون خطاها.

   ومع ذلك، لا يُقاس الإصلاح بارتفاع الصوت، ولا تُستعاد الهيبة باستعراض السلطة، وإنما تُبنى باستقامة الموقف، وثبات المعايير، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. فالحزم الذي لا يظلم حكمة، والمرونة التي لا تفرّط فضيلة، والعدل الذي لا يخضع للمساومة هو العكّاز الذي تستند إليه المؤسسة حتى تستعيد توازنها.

   إنّ المؤسسة التربوية ليست ملكًا لمن يملك النفوذ، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مزرعةً تُحصد ثمارها وفق الأهواء؛ إنّها أمانةٌ تتعاقب عليها الأجيال، وتُقاس قيمتها بما تصنعه من إنسان، لا بما تمنحه من امتيازات.

   فإذا أردنا تربيةً مستقيمة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للمبدأ قبل المصلحة، وللاستحقاق قبل المحاباة، وللواجب قبل الرضا العابر. لأنّ المؤسسة التي تتنازل عن معاييرها إرضاءً لبعض الأصوات، ستجد نفسها يومًا عاجزةً عن إسماع صوتها لمن ينبغي أن يسمعها.

   فالتربية لا تعرج لأنّ الطريق وعر، بل حين يُطلب منها أن تمشي مستقيمةً وهي تحمل على إحدى رجليها ثقل المصالح، وعلى الأخرى أعباء التنازلات.

   وحينها، لا يكون السؤال: لماذا تعثّرت التربية؟ بل: من الذي أقنعها بأنّ العرج هو الطريقة الطبيعية للمشي؟

  بقلم الكاتب/ منداس غريسي – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق