البصمة الكونية (المحاضرة 5 )
رماز الأعرج
5 البصمة الكونية والوعي البشري
راقب الإنسان الطبيعة وحركتها بفضول منذ طفولة وعيه , ومن بدايات التفكير الإنساني ميز الأسان الأشكال المتكررة بكثيرة من حوله في الطبيعة , وبط الكثير من الظواهر وميز علاقاتها وترابطها , بشكل إدراكي وتجريدي عميق , وفهم تأثيرها بعضها على بعض , وهذا جعل الإنسان قادر على الرؤية المستقبلية البعيدة للأشياء ولحركة الكون .
كان الشكل ألولبي من ضمن الأشكال التي لفتت نظر الإنسان بحيث شاهدها من حوله في الطبيعة بكثرة , وفي النبات الحيوان , وفي نفسه كذلك , على جسده وشعره وتوزيعه , ولكنه لم يدرك هذه الحركة بشمولية طبعا , بل أدركها بحسب مستوى الوعي المعرفي الذي تعيشه المرحلة المرصودة تاريخيا للبحث .
ولو نظرنا إلى رسوم الشعوب القديمة ما قبل التاريخ سوف يدهشنا كثرة استعمال هذا الشكل , وتكراره في الزخرفة والتعبير والسحر والطوطم القديم والتعبير السحري الرمزي التجريدي وغيره .
تكرر هذا الشكل في الكثير من المراحل التاريخية , في فنون الشعوب القديمة , والشواهد ما زالت حية وموجودة في الآثار من فنون ونقوش ورسومات وغيرها , ولو نظرنا إلى فنون أقدم الشعوب على كوكب الأرض مثل الحضارة الاسترالية القديمة , وهذه الحضارة عمرها التاريخي يرجع إلى أكثر مكن 50 ألف عالم قبل الميلاد بحسب تقدير العلماء المختصين.
حين رجعنا إلى هذه الرسوم والرموز القديمة المتوارثة عند هذه الحضارات العريقة , وجدنا الشكل ألولبي منتشر بكثرة غير عادية , وبأشكال متعددة ومتنوعة , منها الرمزي ومنها ألزخرفي .
تمكن الإنسان القديم من خلال مراقبة حركة الطبيعة من كشف الكثير من أسرارها , وهذا ما ساعده على البقاء والاستمرار كنوع يسعى إلى الحفاظ على وجوده , بل وساعده ذلك في بناء القلاع والجسور والحصون ولأهرامات منذ ألاف السنين مستخدما مواد الطبيعة المحيطة به , لذلك اختلف استخدام المواد للعمارة السكنية والبنية التحتية الأساسية من حضارة إلى أخرى .
وفي الفن الفرعوني كذلك وغيره الكثير بل في غالبية الفنون البصرية القديمة يمكن أن نشاهد الكثير من أشكال هذه الحركة ألولبية , وان كان أحيانا بشكل جزي غير مكتمل , كما هو حالها مثلا في شكل الأذن البشرية مثلا بحيث يتشكل الشكل الأساسي للأذن البشرية من عدة مقاطع , و مرجعها الأصل لو دققنا بها سنجده في الشكل ألولبي مما يثبت المصدر الهندسي مباشرة .
وفي فلسطين قطعة قصر هشام المعروفة الشهيرة ب (زخرفة أرضية الحمام , التي يصل قطرها إلى أكثر من 4 متر , تشكل نموذج ومثال مباشر على مستوى عالي من الدقة الحرفية لشكل موجد في الطبيعة بشكل مباشر وقد عرضنا صور للموضوع في عنوان سابق .
حين العودة إلى التاريخ الحديث نكتشف استغلال الإنسان هذه الحركة الكونية ولاستفادة منها ونجد الكثير في العصر الحديث , بحيث أدرك الإنسان قوة الحركة الدورانية وطاقتها , وسخرها لصالحه , وصنعت المروحة الهوائية التي حملته لاحقا ومكنته من الطيران .
هنا نشير مؤكدين أن الحركة الدائرية المحورية من أنواع الحركة التي تولد طاقة كبيرة غير متخيلة , وهذه الحركة مرتبطة دوما بالدولاب الكوني للحركة , (أي حركة الاستدارة المحورية المعروفة لنا , وهذه الحركة من أكبر الحركات المكونة للطاقة , واستغلالها من قبل الإنسان مكنه من الكثير من القضايا العملية المفيدة له , بعد أن أدرك أن أي طاقة مضاد لبعضها البعض مثل السالب والموجب مثلا في حال وضع جسمين متضادين الطاقة فلي وضع ثابت ولا يمكن له الابتعاد عن الجسم المضاد له يمكن أن يؤدي إلى دخول الطرفين في حالة من الدوران المحوري , وهذا الدوران المحوري يمكن استغلاله كطاقة محركة , وبناء على ذلك تم تصنيع المحرك الكهربائي التقليدي , ومنه انتقل الإنسان إلى غيره من الاكتشافات لطاقة الدوران المتضادات الطاقية .
لم يكتفي الإنسان بالفهم الشكلي لهذه الحركة ولم يكتفي باستعمالها في الجماليات الزخرفة ونكون ساذجين إذا اكتفينا بذلك , بل حللها و أدرك طاقتها الكامنة التي يمكن استعمالها بطرق وتقنيات خاصة , استغل الإنسان هذه الطاقة منذ القديم جدا , واستعملها في الكثير من التطبيقات العملية , ومن ضمنها موضوع العجلة , الذي كان أول من أخترعها هم السومريين القدامى في بابل , وصنعة من الخشب , وتم تصنيع أول مركبة تجرها الخيول هناك , وكانت تقنية حربية مدهشة شكلت عنصرا حاسم في الحروب للجيوش البابلية على غيرها وأعطاها ذلك تفوق على غالبية من واجهها من جيوش في عصرها في ذلك الحين .
الخلاصة أن الإنسان عرف هذه الحركة وطبيعتها وطاقتها واستعملها منذ القديم , وما زال حتى اليوم يستعمل هذه الحركة الدورانية ويستغل طاقتها حتى قبل أن يتمكن من تفسير المصدر الحقيقي لهذه الحركة والطاقة المركبة والمعتقدة والبسيطة معا .
وها نحن اليوم في عصرنا الراهن نكمل هذه المسيرة للبحث الإنساني في اقتفاء اثر هذه الحركة وتأثيرها على الوجود وكل شيء موجود , (الظاهر منها والباطن , الفاعل والمتفاعل والمفعول , الثابت والمتحرك , والبسيط والمعقد , والمتناقض والمنسجم معا , إنها سنن الوجود وقوانينه الشمولية التي بها نسترشد بها في مسارنا الفكري في هذه المفازات البعيدة الشيقة .
(زرع القدماء لنا الزيتون و أكلنا خيراته آلاف السنين , ترى ماذا نحن زارعين للقادمين من البعيد الذين لم يرو النور بعد)
رماز الأعرج




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق