اللقاء الأخير 1
_ ألا ترى أين أنا الآن ، إني قربك بجانبك كأننا جسم واحد ،روح واحدة ،نفس واحدة،فماذا لو عرفوا ذلك؟ ولكن ما لا تعرفه يا حبيبي أن الشكوك تراودهم والظنون تلهب أفكارهم ، والهواجس تقتل فيهم كل نبض يستشعرون به اللقاء متلاعبة بأذهانهم ، وقد نصبوا نواظرهم في كل مكان تحرس تحركاتي وترقب خطواتي حتى صار التجسس يزحف ورائي يلازمني كالظل ، فأصبحت أشعر بأن حياتي التي أتمسك بها والدروب التي أهوى السير عليها مفخخة بالكمائن ، وبواصر تحيط بي من كل جهة تترصد أخباري ، وسهام من الأصابع مصوبة نحوي ، ومسامع تسرق همس تأملي و تدبري .
_ كانت تسترسل في الحديث مطرقة والدمع ينحدر من مقلتيها على خديها ثم سكتت ورفعت رأسها بهدوء فرأت في عينيه بحرا من الحزن تتلاطم أمواجه بين تياراته، يطفو مرة ويرسو تارة كغريق لا يهاب الموت ، يبعد بنظراته الفتاكة كل منجد متأهب يسعى لنجدته، ثم واصلت كلامها قائلة :
_ لست مضطربة ولا مرتعبة ولا خائفة على نفسي من المتربصين لعثراتي، والمتشبعين من مقررات الخناس والمؤيدين لحب الغيرة والحسد ، ولا مهتمة بأولائك الذين نصبوا حبال الشرك وسجنوني في مكاره الدنيا ،لأن القتيل لا يحس بالطعنات ، ولكنني محبة يقتلني الخوف لأجلك عدة مرات وأنت طليق كشعاع الصباح ينثر دفئه على شرفات المنازل وقلوب الحائرين أن تسقط مكبلا مثلي بين حبائل الصيد ،فيمسك بك الهم الجائع بمخالبه ويعضك بأسنانه ويكسرك بمعاقفه .
_ أنا لا تهمني غصات الدهر ولا يخيفني نكده قدر ما أخاف عليك ، لأنه أمطر صدري بوابل من الضربات المتتالية.
_ مازال المشوار أمامك طويلا وهذا ما يجعلني مرتعبة عليك وأنت في ذروة العطاء أن تسقط في حفر الكمائن ، وتصدك عن مواصلة السير نحو القمة الشماء هناك في الأفق حيث تلامس الهدف المطلوب والغاية المنشودة ، والمستقبل فاتح ذراعيه باسط صدره ينتظرك مبتسما بإحسانه وأفراحه ، بعزته و رفعته .
_ كان يستمع لنغمتها المختمرة بالمرارة وكلماتها الثملة تمر أمام عينيه كطلاسم ساحر يزعم أنه يدفع بها كل أذى ، وأشباح الأسى تتسلل إلى جسده معلنة إنتصاب الحلم والوهم يتعاركان أمام طيفها ، و وقف الواقع والخيال حائرين ليشهدا على إنتحار حب كان بالأمس قصيدة بالغة في مهرجان الحياة ،و رواية عذبة من لسان الرواة ، ونغما حلوا في أذان الكون ، ولما هدأت همسات عشاق الأصيل.......يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق