بظل جدار الذاكرة
على باب الريح وقفت
حينما أضاحت الشيخوخة بلعنتها ترسم لي
دربُ سفري الأخير
ثم تنهدت و فتحت بأجنحة الغيم بعيداً بذراعي
سحاباً أهزي بالأناشيد
الوداع
مشيت ثم تعبت ثم مشيت ثم تعبت ثم ركضت
حتى أدمنت بجرح الزمان و
إنكسرت
و قلت كلاماً خلف الجنازات المتعثرة من الوقت
بالضجر
قلت كلاماً لا يشبه الكلام فكيف يمكن أن تعيش
و الكوكب هو جحيمك الذي يدربك
على الألم
فكيف تمشي في شوارع الجِراحات وحيداً بنزفك
كالشبح
و لا تصل إلى فسحة الأمل الضئيلة لتحضن
ظلك الطويل
كالعادة تجلس لوحدك مقابل نافذتك و أنتَ تشرب
قهوتك الوانسة بوحشة
الفراغ
لا أحدٌ الآن معك يداعب صدرك أو يفتش عن أثر الزهرة
و سيرتها على جسدك
الهزيل
فتعصر بالروح ألماً ألماً شديداً على الغياب و ترشف
بوحدتك
كل الزمان بالوجع الكبير و تلعن كل مكان نكثت
فيه
و أنتَ أنت كما جسَدكَ البِعاد و المسافات
واحدٌ من أهل النسيان كما
كنت
ثم تفكر كيف يمكن أن يأخذوا منكَ ما ليس من
حقهم أن يأخذوه
و تفكر و ثم تفكر بكل الأشياء التي خسرتها و أنت
تراجع
من حياتك كل ما كان و مرَ من حياتك بسرعة
البرق
فتحاكي نفسك من الهوس فمن كانوا معك هناك
يدفئون بروحك الساقطة ثم ترجع و تنام
بظلك المهزوم حجراً
كالأموات
فهل تألمت و أنت تفكر بالآخرين و تذهب بخيالك
لجهة الذكريات و العذاب
فلا تتوجع أكثر من موتك هناك بين كل التفاصيل
الصغيرة قد كنت هناك حياً
و لا تكذب على القصيدة فأنتَ لا تريد أن تعود
من هناك
رغم كثرة أوجاع و كثرة
الألام
فقل لي بماذا حلمت هناك بطفولتي بطول السنوات
لتنكسر هكذا الآن
قالو رأسه في الارض .... ؟
لقد كنتُ أحلم و أتحتضر لأيام كانت تحمل
برائتي الأولى
ثم جئتُ إليك بتلهفٍ لأبحث من بين الهياكل عن
بقايا صورتي
فكسرتني الأمنيات و لعنتني السماء و نسيت بعدها
كم مرةً يجب عليَ أن
نموت
منذ متى و الهزيمة ترفع بستار القرابين من جسدك
الثقيل
لا أدري كيف و متى إغتالني القربُ و لحظات اللقاء
عند موعدٍ قديم غاب مبكراً
بالوهن
فماذا تفعل الآن بحياتك العصية بإنكسارك بوحدتك
مع الخيبة
و هم يدفنون بذاكرك و يرحلون
الآن أنا أُرمم داخلي المهجور و أبكي مع الحجر
على الحجر
و أمضغ بنار الندامة نكستي بكل ساحات العذاب
بالحسرات و الأهات
و ماذلت أحمل بحر الهلاك بالعمر التعيس و لا أجد
شاطئ لخطاي و لا فراش نومي
الحجري
أبرد حيناً و أرتعش بجسدي و قلبي هو الذي يرعى
و يسكن الجحيم
فيداهمني الرغبة في الكتابة و تشدني الأسطر
نحوها
فعلي أعثر على مفردات تدل على مكانتي الطبيعية
بالخسارة
فلما تأخرت على دفني لآلاف السنين فهل نسيتَ
الطريق إلى وجعي أم تهتَ عن الوقت و نسيتَ
كل الكلام بحضور الجنازة
نعم لقد نسيتك و نسيت درب لغتي و الوحي بقي
يكسرني
بسبب ترددي بشكل الرموز و بترتيب
المفردات
فهل عشت في زمنك طبيعياً كما عاشوا كل البشر
و فرِحوا بحياتهم لا
لا لم أعش حينما فتشت طويلاً عن سبب الغياب
الطويل و عن ملاذي فلم أجد سبباً
للعنتي
و هل أحببت أحدٌ ما على طريق الصدفة غدرك و
طعنك
و أنت تعبر بسيرة العمر الأول هناك
نعم أحببت و أكثرت و طعنت و انجرحت و سقطت
و بكيت و حزنت و لعنت كل
الزمان
نعم أحببت هناك شبحاً من ريح فإختفى بدهشة
الليل البارد
لكني الآن أحاول أن أشارك النجوم الإنتماء بصدر
السماء
و أنا أعيد بصياغة الوقت لأرتب لحاضري
غدٍ مقتول
فأين إذاً حصتي و حصتك من الأغنيات القديمة و من
الفرح فالروح تبكي بالأنين و بمر
السنين
فيا أيها الغريب السجين من مات هناك و لم يدفن
بعد
فهل تجيب على أسئلتي أم أتسألُ عني قلت لآخري
المتوفي
قال ....؟
لا بل أتيت لأسالك عن المقتول الذي مات في كل
الحكايات معنا من هو أنا
أم أنت
قلت له فهل تعرفني من قبل موتي لتسأل عن زمني
الشريد و عني سردية الليل
المريض
قال لي أعرفك و لكني أبحث في مخيلتي عن ذاتي
بين كل الجهات فتهت
ثانيةً
فإذاً قد ضيعتني مرةً أخرى كما ضعت أنتَ في نفسي
المنسي
و القصيدة عادت و جمعت بيننا من جديد
بالكلام
فإنتظر يا صاحبي فلا تذهب لترحل من ذاكرتي
بكل العمر
دعني أقرأ لك قبل رحيلك من كتاباتي المجنونة
شعراً أو خاطرة لتعرف من
أكون
فمن علامات القيامة فربما تحملني لمنعطفٍ آخر
في النسيان
ففي الليل البعيد خلف تلك الدموع لابد أن يهطل
المطر
نجوماً مكسرة على مقبرة
الأحلام
فلا تمت مع قلبي على دروب الهجران كدمعة
قاسية
فلو كنت أنا الآن أراك هنا معي لنقشت لك أسمي
على جدار الحب و غيرت من عاداتي
في الأحزان
لرسمت لك شكل عاطفتي بمرآة التذكر في الصباح
و تجاهلت كل الزمن و
المدة
لحضنتك بشدة و نسيت تقاليد الزواج و الفراق
و النكوث طويلاً بثوب السواد و
العدة
لكنك رحلت باكراً و خنتني كما خانتني دروب الملح
و الخبز و رفقتي في زمن
البكاء
فإرجع لذاكرتي لأراك بصورتك الشهية قبل الرحيل
لأعود ُ لنجاتي
أو إمضي عني بنعشي منتصراً بحربك على قيامتي
و كن أول المنتصرين على
جرحي
فدعني أتحايل عليك و على ما كان يؤرقني في
الهلاك و أتلمس فراغ بقائي
بالعدم
سأحرق كل أثرٍ فيك من حياتك و سألوم خطوتي
التي قادتني إليك طويلاً و أحطمُ
القدم
فهل عدتَ للبيت يا آخري الشخصي بكامل ضياعك
لقد عدت ..!
فمن دربك على طريق بيتك المنكوب و من دلك
لذات الجرح إذاً
لتعود وحيداً كما كنت دائماً شايباً بالكهل
المعزول
قلت لأناياي الحنين الزائد فدعني ألهو في سفر النسيان
على باب الريح و ألعنك
و أشفق بالآهات المدفونة بين اللاوقت و اللاوعي
و أنسى طريقي نحو الذكريات
فلي من الخلل العاطفي ما يكسرني و كل الحنين
بواحة التألم
فإسطورتي البعيدة لا تقول لي بأني قد ولدت
حجراً كالعصفِ بصورة
الحياة
لقد إمتلئت بكل أسباب الغياب فأنا أريد و أُريد الآن
من المرايا المعلقة
إمرأة من الخيال تجيد لغة الأحضان و فن العناق
إمرأة سهية
فتقبلُ تغري و تلبس لي ملابس المساء
للإغراء
و أنا بدوري سأقدم لها كأساً من النبيذ الأحمر و باقة
ورد
سأمسك بيديها برقٍ و أدعوها للرقص الهادئ بين
جسدين تائهين في حنين
الفراشة
سأشعل لها كل الشموع الحمراء و أرش كل البيت
و الغرف من برڤانٍ فاخر
سأشغل لها من أرقى السيمفونيات العالمية و من
الأغاني الفارسية الحزينة
الرومانسية
و ربما أحضنها بشدة و أعانق صدرها التي تحمل
تفاحتين من الإدمان
بشغب
فربما أرتعش من التنملِ و الصدمة بالأبيضين رغم
سخافة الفكرة و بعد
الواقعة
ربما أأخذ دور الرجل العاشق السعيد و أقطف لها
نجمةً من نهد السماء
و ربما أقرأ لها شعراً من الغزل القديم و ربما أحملها
مع الكلمات
لكوكبٍ بعيد يسكن الخيال فلا يشبه أي كوكبٍ من بين
كل الكواكب المعلقة في المدارت
السماوية
و ربما ربما سأقبلُ أصابع يدها واحدة واحدة و أرتمي
شغباً لجهة تعيد لذاكرتي صوابها
قلت ربما ...؟
فهل ستشهد يا أيها الليل البعيد على رغبتي في
الإنتخار إن قابلتها
أم ستبقى تحمل من أحلامنا البسيطة إنكسارنا
بصورة الحنين للحنين و تهدنا حتى
أخر الرمق
و تعلق بأجساد الأماني الميتةِ في الهواء كي
نشقى بالحرمان الأبدي
فخذني يا شبح كل الحكايات من كل الممرات
الفراغ
و إمتلئ بكامل نقصاني
بالغياب
و لي ساعةٌ أخرى لأقرأ لك قصيدتي الجديدة عنوانها
بظل جدار الذاكرة
هكذا سأرتاح أكثر مع الكلمات بغيابك البعيد
فدلني
أين رائحة الفراش الجنسي و عطرك المفضل و
تهيجك بوقت الجماع
هل أخبرتني بما كان يبعدك عني لأرجع بذاكرتي
إليك للوراء و أندم
فلي صورتان من المطر تزرعان لي في الوقت
شوكةً في الكبد و
حسرة
فتحترق واحدة بذاتها حينما أبكي عليك في
الغياب
و أُخرى تهرب من لعنة الزمان لآخر الزمان ليومها
المحبط
قد أزورها بساعة الرحيل الأخير غداً
أو بعد غد
فلو كنتُ أصغر من وجعي بالعابرين لقلت سأنتظرك
في المساء
و لو كنتُ أكبر من حياتنا البسيطة التي خسرناها
لرجعت لنفسي و حضنت
الصباح
لو كنتُ كنجم المساء البعيد و أنا أُحدقُ بوجه القمر
كما تفعل كل النجوم
لقلت للحب قد خانتني الذكريات و كل السنوات
الثلاثين
لكني أفسر الآن بسقوطي للقصيدة ما يفجعني
بالنسيان
بكيت طويلاً خلف كل الراحلين و حملت بقلبي
المقتول بألف موتٍ
و نسيت مراراً و تكراراً لأحيا خلف الجنازات من
لعنتي الابدية
فمن يدربني على الكلام لأعلم بنهج البلاغة في اللغة
العربية الفصحى
فأكتبُ أوجع الكلام و الكلام هو الكلام و هل تشعر
الكلمات بما نشعر به من
أوجاع
فماذا أقول لمن قتلوا بالروح ألماً و طعنوها
بالرحيل
هل أنبح وجعاً
هل أنكسر ُ غضباً
هل أمارس الجنس مع الريح و أبكي
أم أضحك على البلايا في
حياتي
ساكتب قصةً تحرم على نفسها كل الآلهة
سأكفر
سأدعو
سأذكر الأسماء التي إنتحرت
سأشرد و أطارد بخيال الفكرة ما يحملني
و ما يسقطني
سارحل
سابقى
سأحيا و لا أحيا
سوف أكون و لن أكون
سأصرخُ و أصرخ في بلاغتي المنقوصة
بالمعنى
سأهزي و سأعوي و أعوي ندماً على إنكساري و
تزمري بصورة الحرمان
سأقول للقصيدة كل هذا الفراغ و سأروي للفراشة ما
خسرت من حياة و أزلزل بكل كتب
القرآن بخبري
فقل لي ماذا إنتظرت معي و ماذا خسرت
فأنا يا آخري الآن أداعب خيبتي معك
بالسراب
و أندب بحظي معكَ بالخراب و أهوي لأماكن بعيدة
لا تشبهني
فهل أروي بسيرة الضياع
كله
أم أحمل بما تبقى من تعب الحياة لحياة الغرباء
و أبكي على الخذلان
كنت سأطول بالحديث أكثر و أكثر بالقصيدة
لولا وجود خللٍ في
ذاكرتي
فكيف يمكن أن أزف خبر نعوتي للغرابين البعيدة
و أخبرهم عن وفاتي
سوف أفكر طويلاً في المستحيل و أحاول أن أنسى
ما إقتبست
من جدار الذاكرة الخالية من
الحياة
فتعالى يا أناياي المفقود من دوامة الهلاك بالعمر
نتبادل الأدوار
فأنتَ تأخذ مني كل الخيبات و الأوجاع و
صورة من خانوا
و أنا بدوري أأخذ ساحة الطيور البعيدة نهارها
الصافي بحضن السماء
أنت تأخذ زمن الراحلين من حياتي و سقوط
قلبي في الجحيم
و أنا أأخذ منك نومك الشهي و حلمك
البعيد
أنت تأخذ مني كل الإنتظار و لعنة الأيام و كل
صور الذكريات
و أنا أأخذ منك ولادتك الأولى في زمن البدايات
قبل الإنكسار
فخذ حصتي و حصتك يا أخري الشخصي من
هدوء هذا الكون و إنجو
بجلدك
فخذ كل حصتي و حصتك من دفئ الشمس
بوقت الغروب
و خذ يا أيها البعيد البعيد عن كل شيء من جسدي
حصتك المسروقة من الحياة
و دعني لوحدي من بين حكايات الألم أن أسرق من
الفراشة نقائها و لون كل
الزهور
خذ مني كل دمي و كل دموعي و يأسي لغدك المجهول
من جدار الإستعارات و كل حصتك
من هذا الهواء
لتنجو من بعدي من لعنة القصيدة و من حزنك
الكبير
فكن أول المنهزيمين من ساحة المنكسرين الخاسرين
و إنفجر مع الريح سمائاً لسقف
جنازتي
و قل للموت الجريء السريع تمهل لساعةٍ أخرى فلا
تستعجل بموتي الطويل
فلي رغبةً في البكاء مع ذاتي البعيد المكسور على
كل الأشياء و إلى آخره
إلى آخره ...؟
لأبن حنيفة العفريني ........ ✍🏻
الشاعر ... مصطفى محمد كبار
في ٣٠ / ٢ / ٢٠٢٦
حلب سوريا