تُحاسبني إن تأخرت في إعداد الطعام،
أو إن لم أُجِيد تنظيف الأرض…
أرضٌ لم أعتد أن أكنسها…
فأنا "بنت المعادي"،
كبرتُ على يد أم مثقفة،
وعشتُ في بيت يقدّس العلم واللغة والنقاش…
ولم أُخلق لأكون خادمةً أو ظلًا ساكنًا في بيتٍ غريب.
كان زوجي يراني "صغيرة مدللة"،
يريدني أن أتغير بسرعة، أن أنضج فجأة،
أن أصبح امرأة كاملة خلال أيام،
لكنّ الطفلة التي بداخلي كانت تصرخ:
"أنا لستُ جاهزة!"
لم أفهم جسدي، ولم أستوعب احتياجاته،
كنتُ أستحي من نفسي…
فكيف بي أن أكون "زوجة" لرجل لم أطلبه؟
أو "أنثى" لرجل لا أشعر تجاهه بأي نبض؟
أردتُ فقط أن أذهب إلى غرفتي القديمة،
أن أفتح دفاتري، أُذاكر للامتحان،
أن أسمع صوت أمّي تناديني من المطبخ:
"ريدا … عملتلك نسكافيه زي ما بتحبي"
لكنّ هذا كله صار ذكرى.
كان زوجي يعاملني كأنني قطعة أثاث جديدة،
لا يسأل عن راحتي، ولا عن أحلامي،
كل ما يهمه أن "تُطبخ الأكلة في ميعادها"،
وأن "أنام معه وقتما يريد"،
ولا يُهم إن كنتُ أبكي بعد أن يطفئ النور.
لم أخبر أحدًا،
لم أشتكِ،
فمن يشكو زواجًا مباركًا من الأهل؟
من يعترض على "نصيبها"؟
من يجرؤ أن يقول:
"أنا لا أحب هذا الرجل!"
في مجتمعٍ يقدّس الطاعة،
ويكسر قلب الفتاة إن فكّرت أن تختار.
وهكذا…
بدأت رحلة الإنطفاء.
طفلةٌ ترتدي ملابس النساء،
وتخفي الدموع في جيبها،
وتحاول أن تتعلّم كيف تكون
كنت أمشي في البيت وأنا لا أعرف من أكون.
ريدا ؟
الطالبة التي تحب اللغة الإنجليزية والعربية؟
الطفلة التي كانت تقفز بين الأشجار في المعادي وتغني للحياة؟
أم هذه المرأة الصامتة، التي ترتدي "إسدالًا" وتخبّئ وجعها في العيون؟
لم أعد أملك الوقت لكتبي…
ولم أعد أرى زميلاتي،
حتى المرايا أصبحت تخيفني…
كل يومٍ كان وجهي يتغير…
وأنا أتابع ذلك التغير بحزنٍ عميق،
كأنّني أدفن شيئًا من نفسي كل يوم.
زوجي لا يعرف عني سوى جسدي،
والبيت لا يسمع صوتي إلا في المطبخ أو أثناء تنظيف الأطفال.
كنت قد أنجبت،
وبمجرد أن صرت "أمًّا"،
نسيتُ أنني فتاة.
يقال إن الأمومة تمنح المرأة سعادةً خالصة،
لكنهم لم يقولوا إنها تسرق منها ذاتها…
تذيبها في الحليب والحفاضات،
وتحولها إلى ظلٍّ لا يجرؤ حتى أن يسأل:
"من أنا؟!"
أصدقكِ القول…
كنت أشتاق لأبسط الأشياء:
ضحكة، كتاب، مشوار في شارع 9 في المعادي،
فنجان قهوة هادئ،
حتى زحمة المترو كانت بالنسبة لي حلمًا بعيدًا…
على الأقل هناك، كنتُ أختار الطريق.
لكنني لم أعد أختار…
كل شيء يُفرض عليّ:
موعد النوم، طريقة اللبس،
حتى طبخة اليوم،
كأنني جُردت من اسمي…
وأصبحت فقط "زوجة فلان" أو "أم فلان".
والأصعب من كل هذا…
أنهم يرونني محظوظة!
يقولون:
"أهو ربنا سَترها معاكِ، واتجوزتي من غير لف ولا دوران"
لكنهم لا يعلمون أن الستر ليس زواجًا،
الستر الحقيقي…
هو أن تحيا المرأة وفي قلبها سلام،
لا أن تبكي في صمت كل ليلةٍ على وسادة لا تشبهها.
صارت الحياة روتينًا قاسيًا،
وبدأتُ أخشى أن أنسى صوتي،
أن أنسى كيف أضحك،
أن أنسى كيف كنتُ أكتب شعري الصغير على الهامش،
وأسأل:
"هل سأعود يومًا إليّ؟"
هل سيأتي يومٌ وأعيد ترتيب حياتي،
وأقول للعالم:
"كنتُ امرأة… لكنني لم أكن نفسي."
قبل أن أصير امرأة منطفئة، كنتُ جمرةً مشتعلة…
لكني خبّأت النيران داخلي،
لأن العالم لا يحب النساء القويات،
ويخاف من صوتهن، ويُسكت خطواتهن،
فيجعل من الصمت فضيلة،
ومن التضحية بطولة،
ومن الإنكسار قدَرًا مكتوبًا على جبين كل أنثى وُلدت في وطنٍ عربي.
في هذا الفصل، لم أعد أقاوم…
بل بدأت أفيق.
كان لا بدّ أن يحدث شيء يوقظني،
وحدث فعلاً.
ذات مساء، وأنا أجمع ألعاب أطفالي،
وقعت يدي على دفتر قديم…
فتحته،
فوجدتُ خطي، وكلماتي، وفتاة صغيرة كانت تكتب لنفسها رسالة:
"لا تنسي ريدا ، أنتِ تحلمين أن تكوني كاتبة… لا تسمحي لهم بأن يطفئوكِ."
قرأت الجملة وبكيت،
بكيت كما لم أبكِ من قبل،
فقد نسيتُ "ريدا " بالفعل،
ونسيتُ أنني كنت أحلم.
بدأت أشعل النور في الغرفة بعد أن ينام الجميع،
أكتب… أقرأ…
أعيد ترتيب الصور القديمة،
أسأل نفسي:
أين تلك الفتاة التي كانت تضحك من قلبها؟
أين ذهبت؟
وببطء،
استعدت صوتي.
بدأت أتكلم،
مع نفسي أولاً، ثم معه،
قلت له يومًا وأنا أرتجف:
"أنا مش سعيدة."
لم يكن يتوقعها.
نظر إليّ وكأنني قلت شيئًا محرمًا،
وكأنني خرجتُ عن النصّ.
لكنني لم أسكت بعدها.
بدأت أكتب خواطري على أوراق متناثرة،
وأخبّئها في درج الملابس،
بدأت أقرأ كتبًا عن المرأة، عن الذات، عن الطفولة المُنتهكة باسم الطاعة،
ووجدتُ نفسي أعود من بعيد…
ببطء… بثقة… بخشوع.
عرفتُ أنني خُدعت،
حين قالوا لي إن المرأة لا تكتمل إلا بالرجل.
خُدعت حين ظننتُ أن الطاعة مقدسة أكثر من الكرامة،
وأن الصبر مرادف للسكوت.
،
كنت أنظر في المرآة فأراها تلمع لأول مرة منذ سنين،
لم أعد خائفة،
كنت فقط "أنا"…
التي كانت نائمة، ثم صحت من الحلم الثقيل.
قصة قصيرة / الستر الحقيقي
بقلمي /رضا محمد احمد عطوة