راشد وسلمى ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
عاد الفرسان مع الغروب، تتقدمهم الإبل المحملة بالغنائم، وخلفهم نساء شاحبات، يسرن في صمت. جلس شيخ القبيلة عند النار، فقُسمت الإبل والجلود، ثم أشار إلى النساء، فانصرفت كل واحدة إلى الخيمة التي صارت من نصيبها.
ولم ينفض المجلس.
جيء بشاب مكبل اليدين، اتُّهم بسرقة شاة من أحد رجال القبيلة.
سأله الشيخ:
– أسرقتها؟
أطرق رأسه.
رفع الشيخ عصاه وقال:
– من يسرق من الغريب يرفع رأس قومه.. ومن يسرق قومه يطأطئ رؤوسهم.
صدر الحكم، وساقه الرجال بعيدا، بينما انشغل الآخرون بتقسيم الغنائم، كأن العدالة لا تحتاج إلى أكثر من كلمة ينطق بها الشيخ.
مع الصباح، دبت الحياة في المضارب. كان الحداد يطرق الحديد، والنساء يخبزن فوق الحجارة الساخنة، وبعض الرجال يدبغون الجلود أو يصلحون السروج، فيما خرجت قافلة إلى السوق لمبادلة الصوف والجلود بالحبوب والملح. كانت القبيلة تعمل، لكنها كانت تؤمن أن الغارة أسرع الطرق إلى المجد.
ناول راشد الحداد قطعة حديد محماة.
قال العجوز مبتسما:
– سمعت أن أمك تبحث لك عن زوجة.
تنهد راشد.
– لا أخت لي أبادل بها، ولا ابن عم يترك حقه في ابنة عمه.
هز الحداد رأسه، ثم عاد إلى مطرقته، كأن الأمر قانون لا يناقش.
عند العين، كانت سلمى تملأ جرتها. مرت فتاة تبكي، بعدما أخبرها أهلها أن زفافها سيكون لابن عمها.
اقتربت منها سلمى وربتت على كتفها.
قالت الفتاة:
– قلت لهم إن قلبي مع غيره.. فضحكوا.
رفعت سلمى رأسها نحو سرب طيور يشق السماء.
همست:
– لا بد أن للطيور نعمة لا نملكها.
سمعتها امرأة عجوز، فقالت بحدة:
– لا تنظري كثيرا إلى السماء.. الأرض هي نصيب النساء.
ابتسمت سلمى، لكنها ظلت تتابع الطيور حتى غابت خلف الجبل.
في تلك الليلة، خرج راشد مع الفرسان في غارة. وما إن هبت عاصفة رملية حتى تفرقت الخيل، فضل طريقه حتى لاح له سور مدينة.
دخلها مع الفجر.
رأى سوقا يضج بالحركة، وحدادا يصنع محراثا بدلا من سنان رمح، وامرأة تبيع الخبز، ورجلين يختلفان أمام قاض، فلما حكم بينهما انصرفا دون أن يشهر أحدهما سيفه.
وقف ينظر إلى الناس طويلا.
لم يسأل أحد الآخر: من أي قبيلة أنت؟
ولم يرى رجلا يفرض على امرأة طريقها.
عاد قبل الغروب.
لم يخبر أحدا بما رأى.
لكن المدينة بقيت تسير معه..حتى وهو يمشي بين خيام القبيلة.
عاد راشد، لكن شيئا فيه لم يعد.
صار يطيل الوقوف عند طرف المضارب، ينظر إلى الطريق المؤدي وراء الجبل. وحين يتباهى الفرسان بعدد الإبل التي عادوا بها، يتذكر رجالا يتباهون هناك بمحصول أرضهم، لا بعدد من هزموهم.
عند العين، وجد سلمى تملأ جرّتها.
سألته:
– أحقًا تهت؟
ابتسم.
– الطريق هو الذي وجدني.
جلسا تحت شجرة السدر، وحكى لها عن المدينة؛ عن السوق الذي يجتمع فيه الناس مع شروق الشمس، وعن الحداد الذي يصنع محاريث للفلاحين أكثر مما يصنع رماحا، وعن امرأة تبيع وتشتري دون أن يعيبها أحد، وعن قاض يحكم بين رجلين لا يعرف أيهما أقوى.
ظلت صامتة.
ثم قالت:
– إذن.. ليست الدنيا كلها مثلنا.
هز رأسه.
– هناك، يعمل الناس ليعيشوا.. ونحن نغزو لنعيش.
حملت حفنة ماء وتركتها تنساب بين أصابعها.
قالت:
– ما أكثر ما ضاع من أعمارنا.. لأننا لم نعرف إلا طريقا واحدا.
وقبل أن يجيبا عن السؤال الذي ولد بينهما، دوى صوت منادي الشيخ يدعو الرجال إلى المجلس.
وقف جابر، وقال بثقة:
– أطلب ابنة عمي سلمى.
رد الشيخ دون أن يلتفت إلى أحد:
– ما دام لم يتنازل عنها، فهي له.
وانتهى المجلس.
لم تُذكر سلمى.
ولم يُسأل قلبها.
في الأيام التالية، انشغلت النساء بثوب الزفاف، والأغاني، وإعداد الخبز.
أما هي، فكانت تؤدي ما يُطلب منها في هدوء، ثم تخرج مع الغروب إلى العين.
وفي مساء، قالت لراشد:
– أتدري ما أكثر ما أخشاه؟
– ماذا؟
– أن أموت.. قبل أن أعرف كيف يعيش الإنسان حرا.
نظر إليها طويلا.
ثم قال:
– رأيت مدينة تبني بيوتها بالحجر.. أما نحن، فنبني حياتنا بالخوف.
ساد الصمت.
كانت الريح تمر بين أغصان السدر، والطيور تعود إلى أعشاشها.
قالت وهي تتابعها بعينيها:
– كل مساء تعود لأنها تريد.. لا لأن أحدا أمرها.
مد راشد يده.
هذه المرة، لم تتردد.
تشابكت أصابعهما، ومشيا بمحاذاة الماء حتى غابا بين الصخور.
قبل الفجر، تركا القبيلة.
لم يحمل راشد سوى فأس صغيرة وسكين وقربة ماء.
وحملت سلمى رغيفين وبعض التمر.
وعندما وصلا إلى الوادي، استقبلهما خرير الماء، ورائحة الصبح بعد ندى الليل، وظلال السدر الممتدة فوق الصخور.
غرس راشد الفأس في الأرض، وقال مبتسما:
– أول بيت أبنيه.. لن يكون من غنيمة.
جلست سلمى إلى جوار العين، غمست يديها في الماء، ثم رفعت وجهها إلى السماء.
وقالت في هدوء:
– لأول مرة..
لا أشعر أن أحدا يختار حياتي بدلاً مني.
لم يكن الوادي واسعا، لكنه اتسع لحياتهما.
بنيا مأوى صغيرا من أغصان السدر والحجارة. كان راشد يخرج مع الفجر يحتطب أو يصيد، ثم يعود قبل الظهيرة. وجدت يداه لذة في الفأس أكثر مما عرفتا في السيف، وكانت سلمى تخبز، وتغسل عند العين، وتضحك كلما أخطأ راشد في إشعال النار.
قالت له يوما وهي تناوله رغيفا ساخنا:
– لم أتخيل أن الخبز الذي نصنعه بأيدينا.. أطيب من كل غنائم القبيلة.
ضحك وقال:
– لأنه لا يحمل دم أحد.
ومضت الأيام هادئة، حتى شعرت سلمى أن حياة أخرى بدأت تنبض في أحشائها.
وضعت يده على بطنها، وقالت في خفوت:
– يبدو أن الوادي سيحتفظ بشيء منا.
ابتسم، ولم يجد كلمة أجمل من الصمت.
لكن آثار النار، وبقايا الحطب، قادت رجال القبيلة إلى الوادي.
لم يقاوم راشد.
ولم تبكى سلمى.
سارا بين الفرسان كما خرجا أول مرة، إلا أن الطريق هذه المرة كان يعود بهما إلى ما هربا منه.
اجتمع رجال القبيلة عند الغروب.
وقف الشيخ، ونظر إلى راشد طويلا.
ثم قال:
– تُنفى وراء الجبل، ولا تطأ أرض القبيلة ما دمت حيا.
والتفت إلى سلمى.
– وتعودين إلى خيمة قومك، ويتم زفافك كما كان مقررا.
لم تعترض.
كانت تعرف أن الأحكام التي تصدر باسم العادة، لا تسمع إلا نفسها.
اقتادوا راشد مع أول ضوء، ومضى دون أن يلتفت.
أما سلمى، فكانت آخر من نظر إلى الوادي.
كأنها تحفظ الطريق في قلبها.
مرت الأسابيع.
وعادت الحياة إلى القبيلة كما كانت.
الحداد يطرق الحديد.
والنساء يخبزن.
والفرسان يستعدون لغارة جديدة.
وذات صباح، لاحظت النسوة أن ثوب سلمى ضاق عليها.
تبادلن النظرات.
ثم مضت كل واحدة إلى شأنها.
ففي القبيلة..
كانت هناك أسئلة يعرف الجميع إجابتها،
ولا يجرؤ أحد على طرحها.
طارق الحلوانى