(تفلسف الحمار فمات جوعا)
(مفهوم حرية الإختيار عند
الفلاسفة وعلماء النفس)
بحث وتحقيق : د/علوي القاضي .
.★|★. وصلا بما سبق فإن الفلاسفة وعلى رأسهم [بوريدان] ، من خلال مفارقته على (حماره) ، فقد أثبت أن حرية الإنسان في الإختيار وهم ، وهذا الوهم هو الذي جعلنا في الواقع عبيدا لا خيار لنا ، في الوقت الذي نعتقد فيه (ظاهريا) أننا نمتلك الحرية لذلك تباينت ٱراء الفلاسفة :
.[1]. رأى [فرويد] أن (الوهْمُ) يرتبط بالرغبات اللاشعورية ، ورأى [نيتشه] أن (الوهم) هو كلُّ ما أنتجَه الإنسانُ من معارفَ ، لأنها ناتجةٌ عن رغبة لاشعورية في البقاء ، حيث تقدِّم (الأوهامُ) نفسَها على أنها (حقائق)
.★. ورأى [نيتشه] أن مَصْدر هذه (الأوهام) إثنين (الفكر أولاً) ، حيث يلجأ إلى الكذب والتضليل وإخفاء الحقيقة التي يتوهَّم أنها خطِرة على وجودِه فيخفيها تحت غلاف المنطق ، و (اللغةُ ثانيًا) لأنها أداة الفكر ، وهي تشبيهات واستعاراتٌ صنعَها الفكرُ
.★. ويرى [نيتشه] كذلك بأنَّ التخلُّصَ من هذه (الأوهام) صعبٌ إنْ لم يكنْ مستحيلاً ، لكنَّ (الأوهامَ) قد تكون نافعةً أحيانا ، وقد نحتاج إليها لنعيش
.[2]. الدكتورة [يمنى طريف الخولي] أستاذة فلسفة العلوم ومناهج البحث ، تؤكد أن مشكلة (الحرية) في الإختيار فضفاضة ، بل هلامية ، ومترامية الأطراف ، وضائعة الحدود ، ولا مبتدأ لها ولامنتهى ، فهي تبدو منذرة بالتشتت والضياع ؛ لماذا ؟! ، (أولا) لأنها مشروطة بقدرة إختيار أمر ممكن من عدة أمور ممكنة دون أن تكون نتيجة الإختيار معروفة مسبقا ، و (ثانيا) هي تتطلب تجاوز مختلف الحتميات مع وعي الأسباب الدافعة الى ذلك ، و (ثالثا) الحرية هي المقولة الوحيدة التي تتداخل فيها شتى كليات وجزئيات التجربة الإنسانية وسائر جوانب عالمه المعاش ، وأيضا عقله الفعال ، ومن ثم يمكن جعلها مضافا لأي مضاف إليه كـ : (الميتافيزيقا ، اللاهوت ، الأخلاق ، السياسة ، الإقتصاد ، الإجتماع ، الدين العلم ، الشخصية .. !)
.★. في الواقع أننا لم ولن ننجر إلي متاهة تعدد مفاهيم (الحرية) و (تنوع وتناقض نظريات الإختيار) ، بل الذي يعيننا هنا تحديدا هو الحديث عن وضعية الرهينة وعن وضع تمت فيه مصادرة (الحرية) دون وعي منا ، ففي كل القضايا الصعبة التي إصطدمنا بها ، يبدو أننا لم نتخذ القرار الصحيح ، بل كنا سجناء لحالة الإرتياب واللاتعيين ، وفي نهاية الطريق إبتعدنا عن الخيار الصحيح ، عالقين في (متاهة إريان) والتي تؤكد أننا نتعايش مع الواقع وما يحمله من أوهام ، ونساير سوء الإختيار
.★. وفي (علم النفس) وبالعودة إلى العالم [كورت ليفين] ، (مؤسس نظرية المجال في علم النفس) ، نجده في إحدى كتاباته ، بعد الإشارة إلى قصة (حمار بوريدان) ، يصف هذا النوع من (الصراع) على أنه صراع (إختيار) غير مستقر ، لأنه يتكون عندما يترك شخص ما (بسبب عوامل عرضية) يترك نقطة التوازن ويتحرك نحو إحدى المناطق المستهدفة ، حيث تزداد القوة التي يدركها في هذه المنطقة ، لذلك يتحرك بعيدًا عن نقطة التوازن ، حيث تزداد قوة الإنجذاب للمنطقة المستهدفة تدريجيًا مع إنخفاض المسافة بين الشخص والهدف والقرب منه
.★. وحينما يكون الخيار بين أمرين غير متناقضين بل متشابهين تماماً إلى حد التطابق ، يعْطَى للعقل تقريراً واحدًا لا يستطيع فيه عمل الترتيب المنطقي ، أو لنقل ترتيب للأولويات ، فيصعب عليه الوصول للخيار الصحيح ، وعندما يترك لنا الخيار ، نشعر بالعجز مثل الحمار
.★. فلسفة الحياة أن كل شيء يبدو فجأة مربحا ، ومع القلق من فقدانه والخوف من إختيار خاطئ ، لا نختار رغم أننا في نهاية المطاف قد نُطوق لكلا الأمرين ، ونجد في وضع وقت إضافي للتفكير ، مخرجاً مؤقتاً ، ونستمر في ذلك حتى نفاذ الوقت كله دون خيار ، ونسلم العصا لشخص آخر ليختار لأننا خائفون من أن نصبح (حمار بوريدان)
... تحياتي ...