فلسفة الشاعر الفارس " طرفة بن العبد " في الموت و الحياة :
طرفة بن العبد شاعر أقلقه غموض الموت فاستمدَّ منه فلسفةً للحياة ، ومنهجاً فكرياً للإنسانية ..
الموت يُمثِّل قيمةً أساسية في الحياة . ولا نُبالِغ إذا قُلنا إن الموت هو الحياة الحقيقية . ولا يوجد إنسان لا يؤمن بالموت ، أو لا يُفكِّر فيه . والإنسانُ قد تنهار عقيدته فَيَجْحد وجودَ الله ، ولكنْ لا يمكنه أن يَجحد وجودَ الموت . إذن ، فالموتُ هو حَجر الزاوية في البناء البشري .
الشعراءُ – باعتبارهم أكثر المخلوقات حساسيةً والتقاطاً لعناصر الطبيعة – لا يَقدرون على الإفلات من " إغراء الموت " حتى لو أرادوا ذلك . وهذا يُفسِّر ذِكرَ الموت في أشعارهم ، وجعل الفلسفات والمناهج الفكرية تَدور حَوْله . فالموتُ مجالٌ خصب للتأمل في النهاية ، والأحزان ، والفِراق ، إلخ …
الشاعرُ طرفة بن العبد - وهو أشهر شعراء المعلَّقات - اعتنى بموضوع الموت ، واستمدَّ منه فلسفةً للحياة ، ومنهجاً فكرياً للإنسانية . وقد عبَّر عن فكرة الفناء ، وعدم الخلود في الدنيا ، وعدم المبالاة بالموت ، وضرورة أن يَعيش المرءُ حياته بالطُّول والعَرْض ، وأن يَستمتع قَدْر المستطاع لأنه لن يَعيش إلا مرة واحدة فقط . ولا يَخفى أن آراء الشاعر مستمدة من خبراته الحياتية ، ومكنوناته النَّفسية .
والدنيا دارٌ زائلة لا يمكن أن تَمنح الخلودَ للعناصر . ففاقدُ الشيء لا يُعطيه . وبما أن الدنيا ذاتها غير خالدة ، إذن فلا خلود فيها . إنها فانيةٌ هِيَ ومحتوياتها . والناسُ يَرون الموت والأموات كلَّ يومٍ رأي العَيْن ، فلا مجال للتكذيب أو الشك . وكلُّ إنسان مهما طال عُمرُه ، لا بد أن يُحمَل يوماً ما إلى المقبرة . وهذا الأمرُ من كثرة ما اعتاد عليه الناسُ ، صار أمراً عادياً لا يُحرِّك المشاعرَ ، ولا يُثير مكنوناتِ الصدور . فالاعتياديةُ تَجعل الإنسانَ أعمى، وعاجزاً عن رؤية الأشياء بعين البصيرة ، وغارقاً في نظام حياتي روتيني مغلَق .
ونحن نجد الشاعر طَرفة بن العبد يشير إلى قضية " اللاخلود " فيقول في أحد أبياته : " ألا أيُّهذا اللائمي أَشهد الوَغَــى/ وأن أنهلَ اللذاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي " ، وهو بيت يسأل فيه الشاعر الإنسان الذي يُلومه على حضور الحرب ، وحضورِ الملذات ، فهل يمكن له أن يخلِّده إن كفّ عنها .
إن الشاعرَ يُؤْمن بعدم الخلود في الدنيا . وسواء شاركَ الإنسانُ في الحرب أم نام في بَيْته ، ففي كلا الحاليْن لن يَنعم بالخلود . لذلك فهو يُريد أن يَعيش حياته على هواه بلا ضوابط ، ويَستمتع بكل لحظة ، ويَفعل ما يَحلو له . ففي كل الحالات ، هُو غير خالد ، والموتُ قادمٌ لا محالة ، والمسألةُ مسألةُ وقتٍ لا أكثر ولا أقل . وهذه القناعةُ لم تُكسِب الشاعرَ إحساساً بالمسؤولية ، بل على العكس ، أغرقته في اللامبالاة واللاجَدْوى ، وأكسبته شعوراً بالعَدَم والضياع . وبما أن الموتَ قادمٌ ، والخلود متعذِّر ، فلماذا لا يستمتع بحياته ويشارك في الحرب ويَصنع مجدَه الشخصي ومجدَ قبيلته ويَنهل من اللذات قبل أن يداهمه الموت ؟
الموتَ بفلسفة طرفه بن العبد هو نقطة النهاية ، ولا شيء بعدها . وبالتالي ، لا بد من استغلال الحياة في الاستمتاع ، وتحقيق رغائب النَّفس كاملةً غير منقوصة . ومن الواضح أن سلوكَ الشاعرِ العابثَ قد سَبَّبَ له المتاعبَ ، وجلبَ له الانتقاداتِ والعتابَ . وبالطبع ، فإن الشخص الذي يَرى التصرفاتِ الطائشة للشاعر لا بد أن يَلومه .
ومن الواضح أن الشاعر طرفة بن العبد يؤسس فلسفته الخاصة بالموت وملابساته ، وما يُرافقه من أحداث فكرية أو مادية واقعية . وها هُوَ يقول : " فإنْ كُنتَ لا تسطيعُ دَفْعَ مَنِيَّتي/ فَدَعْني أُبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي " .
إن الشاعر يَبني فلسفته الذاتية حول فكرة " استحالة دفع الموت " ، فالشاعرُ يرى ضرورةَ الغرق في الملذات والشهوات بلا حساب ، لأن الموت قادمٌ بشكل مؤكَّد لا شك فيه . فبدلاً من أن يصبح الموت باعثاً على الزهد والاستقامة ، يصبح باعثاً على اللامبالاة والعبث والتبذير . وهذه هي فلسفة طرفة بن العبد التي بثَّها في أشعاره . يقول طَرفة : " فإن كنتَ لا تستطيع أن تدفع مَوْتي/ فدعني أُبادر الموتَ بإنفاق أملاكي " .
إنه في سِباق مع الموت ، ويُريد أن يُسابق الموتَ قبل أن يُباغته . وهكذا تتجلى روحُ المبادَرة ، مُبادَرة الموت واقتحام عالَمه ، وذلك بإضاعة الممتلكات ، وتبذير الأموال ، والاستمتاع بالملذات إلى الدرجة القُصوى . فالموتُ سيتلفُ أملاكَ الشاعر ، ولن يُبقيَ له شيئاً . لذلك يَحاول الشاعرُ أن يَسبق الموتَ ، ويأخذ على عاتقه إتلاف أمواله بنَفْسه ، وعدم منح الموت هذه الفرصة .
والمنهجيةُ الفلسفيةُ المسيطرة على الشاعر في هذا السياق هي أن الموت لا بدّ منه ، فلا معنى للبخل ، وتركِ الملذات ، وإدارةِ الظَّهر للشهوات .
فعلى المرء أن يَستمتع بالحياة ولذاتها بكل الوسائل المتاحة ، فالغايةُ تبرِّر الوسيلةَ ، والإنسانُ لن يَعيش مرةً أُخرى ، فعليه اغتنام هذه الفرصة قبل فواتها . فالمتعةُ إذا ذَهبت لن تَعود . وهكذا يُصبح الموتُ حافزاً على الغرق في الشهوات بلا ضوابط .
ومن الملاحَظ أن فلسفةَ طَرفة بن العبد تنطوي على ردة فعل عكسية . فالمفروضُ أن يَقطعَ الموتُ لذاتِ النفوس ورغباتها ، ويدفعَ إلى الصلاح والخير ، باعتباره هادمَ اللذات ، ومفرِّق الجماعات ، وميتِّم البنين والبنات .
أمَّا في حالة طَرفة ، فقد تحوَّلت صدمةُ الموت إلى مزيد من الشهوانية والعبث واللاجَدْوى . وهذا ما نراه جلياً في فلسفة طَرفة المتعلقة بالموت ، وتطبيقاتها الشعرية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق