السبت، 9 يوليو 2022

سعاد الصباح بقلم عبدالحميد ديوان

 سعاد الصباح 1942م

وردة الكويت المتألقة في بستان الشعر العربي الحديث، بدأت أميرة في موقعها ونسبها وثبتت إمارتها في الجانب الأهم في حياتها، إنه جانب الفكر واللغة والروح فهي لا ترى لها موقفاً مميزاً إلا في عالمها الرحيب (عالم الأدب).

ولدت الشاعرة والأديبة الدكتورة (سعاد محمد الصباح) في الكويت عام 1942م وترعرع صباها جسداً وروحاً في كنف أسرة عرفت بعراقتها ونسبها. ومنذ طفولتها الأولى بدأت لغة الشعر عندها تأخذ في بناء حروفها الأولى، وتتحدث الشاعرة سعاد عن هذه الفترة (في لقاء لها مع سعدية مفرح في مجلة العربي) فتقول: "كنت أردد في الليل ما يشبه الترنمات، وفي النهار رحت أخربش على الورق ما يلح على الذاكرة من لحن. لم أكترث كثيراً لذلك حتى أمسكت مدرسة الرياضيات بي متلبسة بالكتابة.

قرأت ما كتبتُ ثم قالت لي فيما يشبه الهمس الحميم: أنت تكبري شعراً، ولم أجب، ولم يكن لدينا الكثير لنتسلى به ونسري عن أنفسنا عبق أنفاس الليل. رحت أكتب حتى عرف والدي بالأمر فشجعني وزاد من جرعة الشعر في الكتب والمجلات التي كان يحرص على جعلها زوّادة البيت.

ومنها عرفتُ الشعراء واتصلت بروحي نسائم القصيدة الجديدة عبر مجلة "الرسالة" المصرية، وكانت يومها أعرض المنابر للفكر في الأدب والنقد وللقصيد، كما كان العراق يومها أقرب البحيرات الشعرية إلى مذاقنا، وأوسعها أنهاراً بفضل بدايات حركة الشعر الجديد فيه. لقد كان الاتصال الثقافي بيننا وبين عراق الخمسينات واسعاً ومؤثراً وقريباً، ثم جاء السفر ليمنحني فرصة العمر في التعرف إلى الشعر الغامر دينا العروبة في لبنان والشام ومصر وفي المهاجر وفي التعارف مع شعراء كانوا كوكبة الضوء في عصرهم، من امين نخلة إلى الخطل الصغير وصلاح لبكي، وحين التقيت بشعر المهجرين أدركت أن البحار التي باعدت بينهم وبين وطنهم قد زرعت في صدورهم الوطن، ومعه رشافة وجدّة في الكلمة الشعرية.

وهكذا نجد أن الشاعرة سعاد الصباح قد سافرت عبر إجابتها في بحر الشعر ومسارها معه منذ طفولتها وحتى ربيع العمر، فكانت تتأثر عبر رحلتها في عالم الشعر بالشعراء الذين تلتقي بهم أثناء طوافها في بلاد الشام ولبنان ومصر وأن التشجيع الذي لقيته في بداية حياتها من الأهل جعلها تغوص في قلب الشعر أكثر فأكثر فتنهل من ينابيع الشعر في العراق ومصر والشام لتنطلق في دنيا الشعر مزودة بأسلحة المعرفة والموهبة التي تمتلكها.

وتتابع الشاعرة في مقابلتها لتخبرنا أن قراءتها لشعراء المهجر وشعر نزار ومن قبلهم شوقي وحافظ إبراهيم أغنت روحها. تقول: "عندما أتيح لي أن أقرأ إيليا أبو ماضي وشعر جبران المنثور ومطالع شعر نزار قباني، وقد بدأ يزهو في الأوراق الجديدة، أقبلت على القراءة في نهم لا يشبع صاحبه ولا يرتوي، وبالطبع كان شوقي وحافظ ملء السمع والعين. كذلك طه حسين والعقاد والمازني. لقد أعطاني السفر في رحلاته ثم في استقرار في لبنان ومصر فرصة العمر لإغناء روحي، وقد غنيت وعليّ الاعتراف بأنني لم أكن صبية هادئة أو مستكينة. لقد ولدت وفي أعماقي مهرة لا تعرف الحذر أو الخوف أو السكينة. التمرد كان سمة روحي في كل ما أقدم عليه كتابة أو حديثاً أو سلوكاً.

كنت أحس بأني مسكونة بالعاصفة وأن الزمان هو زماني. كنت أحس بثقة كبيرة بنفسي، فما أقرره أعلنه وما أعلنه أفعله ما دام ذلك في حدود قررتها لما يجوز ولما لا يجوز. ولم أخضع للمعادلات المنصوبة كالشراك في وجه المرأة، لذلك كنت ثائرة حقيقية على كل ما يقيد حقي، وقد ساعدني أن يكون لي الزوج- الخيمة، يفهمني ويقبل ثورتي وينصرني على كل محاولة لجعلي امرأة رمادية. كان عبد الله المبارك (زوجي) ناصري الأول وسندي، فازددت به قوة، وغنمت بفروسيته رهان القتال.

وهكذا سافرت الشاعرة بنا في رحاب تجربتها الشعرية وصراعها مع محيطها الاجتماعي من أجل إثبات نفسها، وكيف استطاعت أن تقهر الصعاب من أجل الوصول بتجربتها إلى نتائجها التي ترضاها.

ولا ننسى أن أديبتنا الشاعرة كانت قد حصلت أثناء سفرها الأدبي على إجازة في الاقتصاد من جامعة القاهرة، ثم الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جلفورد في إنكلترا عام 1981م.

وترأست خلال مسيرة نضالها من أجل المرأة مناصب عديدة، كرئيسة شرف لجمعية بيادر السلام النسائية، وأسست دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع، وعنها تقول: "لقد وجدت دار سعادة الصباح لتكون منبراً للأصوات المبدعة في كل قطر عربي، وتشهد لها بذلك مئات العناوين التي صدرت حتى اليوم. لقد تصورت حين تأسيس الدار أن بمقدوري إضاءة شمعة ثقافية، وأحسب أنني فعلت. وقد قررت أن تكون الدار قاعدة لنشاطات ثقافية متعددة".

وتكمل حديثها عن الدار فتقول: "منذ تأسيس الدار وضعت الحدود التي لا أقبل تجاوزها، فلا نشر للنص الذي يتعارض مع القيم، بكل أبعادها. نحن لسنا تجار شنطة ولا حسبتُ هذه الدار يوماً مصدر دخل قليل أو كثير، بل هي كما تعلمين دار مختصة بالخسارة المالية وبالكسب المعنوي الثقافي".

وفي رحلة الشعر عند شاعرتنا سعاد الصباح نجد أن الوطن يسكن في ذاكرتها ويستوطن أعماقها، فهو الحب وهو وردة البحر التي ينتشر عطرها في أرجاء النفس.

 

تقول الشاعرة:

كويت، كويت

موانئ أبحر منها الزمان

وواحة حب وبر أمان

وشعب عظيم

وربّ كريم

وأرض يسيجها العنفوان

إنها الكويت جوهرة القلب والحجاب الذي تحتفظ به في صدرها، بل هي برعم ورد يزين شعرها وشعِرها:

كويت، كويت

أشيلك حيث ذهبت حجاباً بصدري

أشيلك

برعم ورد، بأعماق شعري

أشيلك في القلب وشماً عميقاً

لآخر...

آخر أيام عمري

والوطن عندها شمس مضيئة تنشر ضوءها على العالم، وتوزع خيرها على الجميع، فهو الحاضن للثائرين والمكان الامن للخائفين.

كويت، كويت

أحبك كالشمس، تعطين ضوءك للعالمين

أحبك كالأرض

تعطين قمحك للجائعين

وتقتسمين الهموم مع الخائفين

وتقتسمين الجرام مع الثائرين

إلا أن الحزن يستخلصها من الوطن لترتمي في أحضانه بعد أن فقدت وليدها الذي فارقها باكراً فحمل معه قلبها ونبض مشاعرها التي جمدت بفقده تقول:

لا تسل عن لون مأساتي ومجرى عبراتي

لوعة لم تدرها قبلي ثكالى الأمهات

وها هي تنثر على صفحات قلبها ذوب الكلمات الثكلى وتتمنى لو أنها ولدت في الجاهلية حتى تدفن حيّة كما يفعل الآباء في الجاهلية فتنجو من لوعة فقد الولد:

ليت أمي ولدتني في زمان الجاهلية

بين قوم يئدون البنت في المهد صبيّة

قبل أن تصبح أُمّاً ذات أزهار نديّة

وتذوق الثكل والسقم وألوان البليّة

ثم تعمد إلى تصوير موقف الموت الذي يحوم حول طفلها فهو يختنق بين يديها وهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً:

صاح بي طفلي المفدى وهو مخنوق الأنين

ويك أمي أدركيني... ويكِ أمي أنقذيني

ولكن لا أحد يستطيع إنقاذه وتبقى الأم تذرف الدموع بعد فقد الحبيب وتناجي ربها:

رحماك ربي... ومتى يكون يومي المنتظر

فقد غدا فوق احتمالي عيش أيام أخر

رفقاً بقلبي، فهو لولا عمق إيماني كفر

ولم تقف الشاعرة في شعرها عند حدود الوطن والرثاء بل كانت المرأة الثائرة على تقاليد المجتمع البالية، وتسمي هذه التقاليد قيود الرجل، فهو الذي وضعها وهو الذي قيدها بها ولذلك فهي لا تعترف بها، بل تتحداه وتصرخ في وجهه مطالبة أن يكون لها دور في الحياة والمجتمع وأن تكون النصف الثاني له حقيقة لا زيفاً.

يقولون:

إن الكتابة إثم عظيم

فلا تكتبي

وإن الصلاة أمام الحروف حرام

فلا تقربي

وإن مداد القصائد سم

فإياك أن تشربي

وها أنذا

قد شربت كثيراً

فلم أتسمم بحبر الدواة على مكتبي

يقولون:

إن الكلام امتياز الرجال

فلا تنطقي

وإن الكتابة بحر عميق المياه

فلا تغرقي

وها أنذا قد سبحت كثيراً

وقاومت كل البحار.. ولم أغرق

وتتعرض الشاعرة إلى هجوم كبير من مملكة الرجال فتتهم بأنها خرجت على حدود حياء المرأة واخترقت الفضائل التي تتزين بها المرأة، فترد بقوة أنها لم تفعل إلا ما يجعلها تكشف عن زيف هؤلاء الذين يدعون الفضيلة والشرف وأنهم منافقون وخفافيش ظلام لا أكثر، ثم تستغرب كيف يمكن لمجتمع أن يقسم نفسه إلى نصفين ويقيم بينهما جداراً مع أن الطبيعة لا تفرق بين الأنثى والذكر.

يقولون:

إني كسرت بشعري جدار الفضيلة

وإن الرجال هم الشعراء

واسأل نفسي:

لماذا يقيمون.. هذا الجدار الخرافي

بين الحقول... وبين الشجر

وبين الغيوم... وبين المطر

وما بين أنثى الغزال.. وبين الذكر

ومن قال: للشعر جنس

ومن قال: إن الطبيعة

ترفض صوت الطيور الجميلة

يقولون:

إني كسرت رخامة قبري

وهذا صحيح

وإني ذبحت خفافيش عصري

وهذا صحيح

وإني اقتلعت جذور النفاق بشعري

وحطمت عصر الصفيح

فإن جرحوني

فأجمل ما في الوجود... غزال جريم

هكذا وجدت سعاد الصباح نفسها تقف جداراً صلباً في وجه ادعاءات الرجل وانتقاداته وهجومه، واستطاعت أن تثبت نفسها وأن تساهم بشكل جيد في وصول بنات جنسها إلى بعض حقوقهن.

لقد حفل شعر الدكتورة سعاد الصباح بكل أنواع الشعر من الوطني إلى الوجداني إلى الاجتماعي وكانت في كل ذلك صورة حية للمرأة الشامخة التي لا تلين أمام العواصف وكانت في شعرها الوجداني نفساً نزارياً واضحاً، وقد اعترفت هي نفسها بهذا الأمر في مقابلة لها مع مجلة العربي عندما سألتها مُعدّة اللقاء: تعترفين دائماً بتأثرك الشديد بمدرسة نزار قباني الشعرية فمتى بدأ هذا التأثر؟ ولماذا نزار قباني بالذات؟

قالت سعاد: السبب في ذلك أنني شاعرة عربية من هذه البادية الممتزجة بالبحر، وأن لي نسباً لنعترف أنه كبير، لذلك كانت هجمة الجراد البارد على شعري، ولنعترف أيضاً أن هناك من أبناء البلد الواحد من كان يسعده أن يلقي حطبة في النار ليرتاح إلى ما يحسبه هشيماً دون أن يدري جميع هؤلاء أن موقفهم مني وليس من شعري، وهذا هو اللب، قد زادني إصراراً على امتشاق الشعر والضرب به. وقد ربحت الرهان. وتتابع الشاعرة: لا توجد امرأة عربية تفك الحرف لم تهرول إلى دواوين نزار وهل تحسبين مئات الألوف من نسخ دواوينه زوّادة الرجال وحدهم؟!. إن دواوين نزار لا تزال الأكثر مبيعاً على امتداد هذا الوطن، ولتعلمي أن مئات القصائد التي نشرت أو لحنت أو غنتها الحناجر مفصلة على المقاس النزاري".

هكذا هي (سعاد الصباح) شاعرة جريئة صريحة تقاتل النجوم من أجل إثبات حقها ووجودها في هذا الكون الشعري والأدبي. وستبقى هذه الأديبة الشاعرة أنشودة خلود في قصيدة الشعر العربي الحديث.


غادة السمان (1942م)

زهرة من زهرات الياسمين الدمشقية تسامقت وتعالت حتى بلغت مرتبة في دنيا الأدب لم تصل إليها امرأة معاصرة قبلها.

لقد كانت نسيجاً وحدها في عالم الإبداع الأدبي. كتبت القصة وأبدعت فيها حتى أنها نافست عمالقة القصة في عصرنا كنجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهما، وكتبت الشعر فكانت صورة متقاربة لكبير شعراء هذا العصر نزار قباني (وهي التي لها به صلة قرابة) وكتبت الرواية فأجادت وأحسنت. عبرت عن جيلها المضطرب المتمرد، ودافعت عن المرأة والرجل معاً، كانت تكتب بأحاسيسها ومشاعرها، وكانت تفلسف الحياة وتضع منها أغنية جميلة تتغنى بها.

إنها (غادة أحمد السمان) الكاتبة المبدعة والأديبة التي بقيت حديث الناس على مدى عقود من الزمن ولا زالت إلى الآن مثار بين الأدباء.

ولدت (غادة السمان) في دمشق عام 1942م (وذكر بعضهم أنها ولدت عام 1947م) لأسرة شامية عريقة ومحافظة، وكانت تمت بصلة القربى للشاعر الكبير نزار قباني.

والدها هو الدكتور (أحمد السمان) وكان يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي من جامعة السوربون في باريس، وقد عمل رئيساً للجامعة السورية حيناً من الزمن ثم أصبح وزيراً للتعليم فترة أخرى من الوقت.

كان لوفاة والدتها المبكرة الأديبة (سلمى رويمة) أثر كبير في حياتها وكانت صغيرة عند وفاتها، فتولى والدها رعايتها بشكل كامل وكان محباً للعلم والأدب، ومولعاً بالتراث الأدبي العربي فأعطى أديبتنا (غادة) جزءاً مما اختزن في عقله ونفسه من هذه القطوف اليانعة. وهذا ما جعل شخصية غادة الأديبة والإنسانية تأخذ أبعاداً متعددة ومتنوعة.

وتولى والدها مهمة تربيتها مستعيناً بخبرته ومعارفه وثروته لكي يصل بابنته إلى مستوى ثقافي متميز، وتعلمت اللغتين العربية والفرنسية ومن خلال دراسة آداب اللغتين بدأت ينابيع الإبداع تتفتح في عقلها، وبدأت بنشر كتاباتها في وقت مبكر عندما كانت في المدرسة الثانوية، ولأن غادة السمان بطبيعتها متمردة فقد نمت موهبتها بسرعة فائقة، ولكنها كانت تغرد خارج السرب الاجتماعي، فاصطدمت بقلمها وشخصها بالمجتمع الشامي الذي كان محافظاً.

وتصف غادة تمردها المبكر في تلك الآونة وجرأتها على المجتمع والتقاليد التي تحيط به فتقول: "رغم القسوة المتقشفة في تربية والدي فقد كنت مراهقة شرسة، ومتحدية، واصطدمت بوالدي في تلك المرحلة خصوصاً وأنّه أرغمني على دراسة "الفرع العلمي" لكي اكون طبيبة، ولم أكن أرغب في ذلك وقد نلت البكالوريا العلمية وقررت دراسة الأدب الإنكليزي".

تخرجت (غادة السمان) من الجامعة السورية عام 1962م بعد حصولها على شهادة الإجازة في الأدب الإنكليزي، وتركت إثر ذلك دمشق منتقلة إلى بيروت لتكمل دراستها في الجامعة الأميركية وتحصل على شهادة الماجستير.

وفي نفس العام أصدرت مجموعتها القصصية الأولى بعنوان "عيناك قدري" التي اعتبرت فيها واحدة من الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة أمثال قمر كيلاني وناديا خوست وكوليت خوري، إلا أن غادة تميزت باستمرارها في العطاء المتميز والذي خرجت به من الإطار الضيق لمشاكل المرأة إلى آفاق اجتماعية ونفسية أوسع نطاقاً، ولم يجارها في هذا العطاء إلا كوليت خوري.

وفي بيروت عملت غادة في الصحافة، فبرزت وأصبحت واحدة من أهم نجوم الصحافة العربية في بيروت، وتجلى ذلك في كتاباتها الصحفية، وفي أوائل عام 1965م أصدرت لنا مجموعتها القصصية الثانية "لا بحرفي بيروت" وسافرت غادة السمان إلى أوروبا في بداية عام 1966م مراسلة صحفية واغتنمت الفرصة فتنقلت بين عواصم أوروبا لتكتشف العالم الغربي وتزود معرفتها بالثقافة الغربية وأصدرت في تلك السنة مجموعتها القصصية الثالثة "ليل الغرباء" والتي ظهرت فيها ككاتبة قصصية ناضجة متمكنة من أدوات الحوار القصصي وأساليب الكتابة الأدبية. ولكنها تعرضت في تلك السنة إلى مصاعب أسرية ووظيفية شديدة تلخصها الكاتبة لنا بقولها: "في صيف 1966م توفي والدي، وحكمتُ بالسجن ثلاثة أشهر غيابياً لأنني من حملة الشهادات العالية في سوريا، وغادرتها دون إذن، وتم إبلاغي النبأ وأنا في لندن، وتم طردي من عملي الذي كنت أعتاش منه كمراسلة لإحدى المجلات اللبنانية. ولم أبلغ رسمياً لأسباب شخصية انتقامية وقعت بيني وبين ما تبقى من أسرتي قطيعة عائلية سببها (تافه) وسببها الحقيقي رغبتي بالاستقلال التام والحرية، وكان معنى ذلك أيضاً انقطاع أي مصدر تمويل عني".

سبب هزيمة حزيران عام 1967م للأديبة غادة صدمة كبيرة فكتبت مقالها الشهير" أحمل عاري إلى لندن" وكانت من القلائل الذين حذروا من استخدام مصطلح "النكسة وأثره التحذيري على الشعب العربي" وقد بقيت غادة فترة من الوقت لا تصدر شيئاً إلا مقالات في الصحافة جعلتها قريبة من الواقع الاجتماعي، وكونت لديها مادة أدبية جيدة استثمرتها بعد ذلك في أعمالها القصصية.

وفي العام 1973م أصدرت مجموعتها الرابعة "رحيل المرافئ القديمة" وقد اعتبرت من أهم مجموعاتها القصصية، وقد قدمتها بقالب أدبي مبدع وصورت المأزق الذي يعيشه المثقف العربي والهوة السحيقة بين فكره وسلوكه.

وفي أواخر عام 1974م أصدرت غادة السمان روايتها "بيروت75" وفيها غاصت في قاع بيروت فكشفت عن وجهها المخفي تحت قناع مزيف خارجي ذلك الوجه المشوّه المحتقن وقالت على لسان عرافة من شخصيات الرواية "أرى الدم.. كثيراً من الدم" ويبدو أنها كانت تتنبأ بالحرب الأهلية التي نشبت بعد أشهر قليلة من صدور الرواية.

ومع روايتها "كوابيس بيروت" عام 1977 ثم روايتها "ليلة المليار" عام 1986م أصبحت غادة السمان واحدة من أهم الروائيين العرب.

في أواخر الستينات تزوجت الأديبة (غادة) من الدكتور بشير الداعوق صاحب دار الطليعة في لبنان، وكان ثمرة هذا الزواج ابنها الوحيد حازم.

إن الجرأة التي طبعت نتاج غادة السمان جعلت دعاة التّزمُّت والتقليدية يثورون عليها متخوفين من غزو أفكارها المتمردة والجريئة لعقول الشباب في مجتمعاتهم، فمنعوا كتبها من التداول في بلدانهم مدعين أنها تحرض على الفجور، وهكذا فإن أدب غادة السمان واجه في البداية مصاعب جمة من أمثال هؤلاء.

ولو أننا بحثنا في أسلوب غادة السمان في كتاباتها الأدبية لوجدنا أن غادة تكتب أدباً خالياً من العقد النفسية التي يعج بها مجتمعنا وقد استطاعت غادة في قصصها أن تلتقط التناقضات والمفارقات في الحياة وأن تصورها بأسلوب جذاب ولغة مشوقة مدهشة. وبذلك استطاعت أن تحرر القصة النسائية من ركودها فأصبح لها طعم ومذاق مختلف.

وكانت ترسم في رواياتها صوراً تستمدها من الواقع الذي تعيشه سواء كانت في بيروت أو دمشق أو أوربا.

ففي رواية "الرواية المستحيلة" مثلاً رسمت فسيفساء دمشقية تجعلك تشم رائحة الياسمين وتحيا الحياة السورية القديمة النظيفة بكل أمثالها وتفاصيلها وتناقضاتها عبر عيني طفلة دمشقية صغيرة. وعندما نغوص في قصص غادة أكثر فأكثر فإننا نشعر بأنا نغوص في بحر واسع متلاطم الأمواج يحوي كل أنواع التمرد والرفض والتحدي لتحطيم جدار الصمت المتمثل بالعادات والتقاليد التي تحاصر الإنسان من كل الجوانب، وتعرض تلك الصور بأساليب محكية ومرسومة بعناية فائقة.

وفي حوار أجراه شاعر من لبنان اسمه (إسماعيل فقيه) تقول غادة السمان مجيبة عن سؤال هو: من أنت.

تقول غادة: أنا كاتبة تحاول ان تخترع نفسها كل يوم... امرأة لا تطاق... أشعر أنني تمردت أقل مما ينبغي، وعدم الأمان هو الذي حرضني على الكتابة والانتماء إلى الورقة البيضاء أقيم في الزلزال، أطلع من إيقاعات العواصف، أرقب جحيمي العربي كمن يحدث في وجهه داخل المرآة، فأنا من بعض خيوط السجادة العربية الكبيرة الممتدة من المحيط إلى الخليج.

وتكمل غادة: لعلي كاتبة دورتها الدموية من الحبر، تسبح فيها أسماك مشعة هي حروف الأبجدية العربية.

ويسألها عن غيابها الطويل عن بيروت وماذا غيّب عنها فتقول: غيّب عني أحبائي والذين كنت سأحبهم، وهذا الغياب أعطاني فرصة عيش دورة دراسية في باريس عمرها خمسة عشر عاماً عشتها في ظل الزخم الفكري والثقافي التنويري والتعددي الإبداعي، في مدينة هي بحق عاصمة من عواصم العالم الثقافية، لقد عشت في جنيف وفي لندن وفي نيويورك، لكن تجربتي مع باريس فكرياً وثقافياً كانت الأطول وربما الأكثر ثراء.

وعن الكاتبة بالنسبة لها قالت:

الكاتبة عني مرادفة أحياناً لاغتيال موتي الشخصي، إنها أسلوبي في قتل الموت، حينما اكتب أشبه طفلاً يرمي بالحصى تنيناً مرعباً يهاجمه وهو يرغي ويزيد وينفخ النار والرعد في وجهه.

والكاتبة عندي لا أدري بالضبط أهي نشاط ام إحباط، تراك لو استجوبت نحلة، لماذا تصنع عسلها أو لو استجوبت نملة صغيرة مهرولة في الحقل أو سنجاباً يراقص شجرة، ما الذي كانوا سيقولونه لك عن دافعهم لذلك؟ أنا اكتب فقط، وهذا كل شيء.. اكتب بعيداً عن الكلمات الكبيرة كلها، ودون أن أقول لك: أنا أكتب إذن أنا موجود.

وهكذا نجد أن غادة السمان لا تجد نفسها إلا مع القلم، فالقلم هو عنوان وجودها ونسغ حياتها. به تعلن تمردها على المجتمع وتقاليده التي تأسر حريتها وحرية أخواتها من النساء اللواتي يطمحن إلى الحرية والكتابة هي التعبير الأمثل لكل ما تختزنه ذاكرتها من أفكارٍ تطمح إلى الانطلاق في عالم من الجرأة والتحرر.

أما مؤلفاتها فقد بلغت أكثر من أربعين مؤلفاً بين قصة ورواية وشعر ودراسات .


د عبد الحميد ديوان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة بقلم فؤاد زاديكي

هَل تَسمية مُضيق هرمز آشوريّة ام فارِسيّة؟ بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تتبع تسمية مضيق هرمز مسارًا تاريخيًا ولغويًا طويلًا، يكشف عند تفكيكه أنّ...