*أنطون تشيخوف*
Anton Pavlovich Chekhov
والأثر الخاص والفريد لبصمات
*الدكتور احمد علي الهمداني*
دراسة :
اديب قاسم
▪️ أنطون بافلوفيتس تشيخوف ( 1860 _ 1904 ) واحد من عظماء الكتاب الروس في فترة الثمانينات من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي . تخطت شهرته روسيا إلى جميع أرجاء العالم ، وامتدت إلى خارج عصره ، حيث لا تزال أعماله الأدبية النفيسة في ( المسرح والقصة ) يجري تداولها وتتوالى طباعتها حتى يومنا .. بعد أن تُرجمت إلى جميع اللغات الحيَّة .. وأُقيمت حول أدبه العديد من الدراسات لتشملَ مختلف جوانب شخصيته وإبداعاته وظروف عصره من مختلف الزوايا ، وبحسب تعدد الرؤى التي أجمعت على تميز مكانته الأدبية الرفيعة أو المرموقة في ذرى الأدب ( الإنساني ) العالمي .
وتركزت النظرة حول أسلوبه الدقيق الفريد في بساطة وسلاسة عبارته التي تجري على نسق بلاغي اتسم بالإيجاز .. وحول موقفه الرحيب من أقدار الحياة بتعدد مستوياتها وغُلوِّها في درجات التفاوت الاجتماعي
.. ومن أوزان الناس في مسرى علاقاتهم الاجتماعية وهو مما يستوجب تجاوزها وذلك من خلال دعوته إلى وجوب العمل الجاد والمثمر ، وليعكس بذلك نظرته التفاؤلية صوب مستقبل الحياة . وفي هذا السياق كان يبرز في توحده مع الإنسان العادي ، ويلف تشيخوف كل ذلك بنظرة حانية وديعة وحيث اعتاد أن يدلف إلى الآخر من خلال منظر طبيعي .
وما زال انطون تشيخوف يثير جدلا واسعًا في العالم تركز حول أدبه في المسرح ( الفني الحديث ) كما أطلق عليه المخرج المسرحي الروسي ستانسلا فسكي .. مثلما أن الأديب الروسي الشهير لا يزال يحتل مكانة بارزة في الموسوعات كونه سيد القصة الحديثة في عصرنا . ولم يخلفه أحد رُغم ما حققته القصة من تقنيات في الأسلوب أو في معمار اللغة أو الشكل الفني الأكثر حداثة فيما سُمِّي بأسلوب التقطيع الذي استمد مفاصله من المونتاج السينمائي .. واحتلاله موقفًا متقدمًا فيما تنبأ به تشيخوف من أن أدب المستقبل سوف يشهد درجة عالية من التكثيف أو الاقتصاد في اللغة فيغدو شديد الإيجاز .
غير أن تشيخوف بقي دون منازع أكثر بلاغة في اقتصاد اللغة إلى درجة الإيجاز المعجز ، ذلك بما تحقق لديه من دقة التصوير الفني في العبارة بالأقل من الكلمات وتركيزه على أدق الملامح في الصورة .. حتى كان قوله نحن الأدباء نكذب في مقدمة القصة وفي نهايتها ... فذهب في قصصه إلى حذف كل ما ليس بضروري . وقلة في عالمنا من يجيد فن الحذف الذي بلغ فيه تشيخوف الذروة في أعماله للمسرح وفي قصصه . وذات مرة استمر يحذف في إحدى قصصه .. فقال له ناشر في المجلة التي يبعث إليها تشيخوف بقصصه : « إنما قد أردت أن تقول عن الشخصية الرئيسية أو بطل قصتك أنه عاش وتزوج وأكل وشرب ومات » . فكان جواب تشيخوف : « هو ذاك ولا غير » وعلى وجه الدقة قال : ولكن هذا هو ما حدث . إذ كان تشيخوف يكتب عن الرجل العادي ويصور بأسلوبه البسيط والهادئ الحياة الفارغة التي كان يعيشها الإنسان الروسي في فترة معتمة مرت بها روسيا ... ويتحدث في كل قصصه عن وجوب العمل ، وعبارتُه التي تتردد في مجمل أعماله كانت قد تركزت حول هذا السؤال : *ما العمل؟*
▪️
يضع الأستاذ الأديب د . أحمد علي الهمداني مؤلفه حول « الأبعاد الموضوعية والخصائص الفنية في مسرحيات تشيخوف » ، وهي رسالة جامعية حول أبعاد تلك الشخصية الشهيرة الفذة العملاقة وقت أن كان قد أعدها وتم تقديمها باللغة الروسية لنيل شهادة الماجستير من جامعة سيمفروبل بـ القرم ، وقد أعيدت طباعتها في بيروت _ لبنان تحت عنوان « مسرحيات تشيخوف من بلاتونوف إلى بستان الكرز » لينضاف إليه عنوان فرعي « في مختبر تشيخوف الإبداعي » .. وهي إشارة تحمل سمات البحث فيما تستبطنه تلك الأعمال من أبعاد وخصائص فنية حيث يمررها الأديب الباحث د. الهمداني من خلال منشور وعيه ويسلط عليها ضوءًا كشافًا يكشف جوانب تلك الرؤية الإبداعية.
وفي مقدمته التي صدَّر بها ترجمته لكتاب « جوانب من مواهب عظيمة » والذي يحتوي دراسات في القصة التشيخوفية للكاتبة الروسية مارغريتا فاسيليفنا .. في هذه المقدمة الرائعة بصوغها البياني البديع وهي تتواثب في ملاحقة كل ماطرح من أفكار وآراء وتصورات حول أدب تشيخوف العظيم تحسُّ بالدكتور احمد على الهمداني وهو يتابع انعكاسات إشراقة هذا العصر من خلال ما تطرحه العديد من الأقلام حول الشخصية المرموقة التي صاغت لنا وجه الٱنسان .. كان ذلك اللهاث المسحور المنجذب الذي يتدفق في صياغة فنية رشيقة على النحو الذي يتشكل من تجَمُّع نقاط الضوء لتؤلف إشراقة شمس . وهو نتيجة طبيعية لزخم الكتابة التي تجمعت حول شخصية الأديب الروسي مما لا يحيط بها إلا المتتبع الحصيف الذي ألَمَّ بكل أبعاد تلك التجربة العميقة وقد تحولت إلى نثر أعرضَ من الحياة .
كتب الدكتور الهمداني : « في الحقيقة فتح تشيخوف مرحلة جديدة في الأدب العالمي ، أنشأ أشكالًا جديدة في القصة والمسرحية ، رقى بالأقصوصة والقصة والدراما الغنائية إلى مستوى الأعمال الروائية _ الملحمية ، دخل بالإنسان البسيط إلى حلبة الأدب والفن ، وكانت قضايا البيئة اليومية العادية .. الحياة العادية للناس العاديين هي حجر الزاوية ، هي القاعدة الواسعة التي تقف عليها تجربته الإبداعية » .
وما كان ليتوقف عند هذه الحقيقة داخل هذا الإطار الذي حدد لنا كل شيء ، إذ يرى من خلال نظرة جوركي حتى تولستوي وأجيالٍ تترى من النقاد والأدباء حتى عصرنا بأن تشيخوف قد أنشأ أشكالًا من الكتابة جديدة على العالم كله ، وأصبح مفهومًا لكل إنسان وهو مما جعل إبداعه يخرج من حدود روسيا ليفيءَ على العالم كله حين صوَّر لنا « كيف يتشكلُ الغد » من خلال تصوراته في الحياة والناس والفن .. وقد حفل فنه بالعديد من الشخصيات التي يمكن أن تجدها في أي مكان لا داخل روسيا وحدها !
ومن ثنايا تلك الحياة كان قد استخرج صورًا أدببة على درجة عالية من البلاغة يألفها الفارئ العادي مثلما يألفها المثقف وأستاذ الجامعة بكل ما فيها من بكارة أو براءة اللغة وجسارتها وهي تخاطب الإنسان من الداخل ، فكان كل واحد يجد نفسه أو شيئا. من. نفسه في قصته بكل ما فيها من جمالية التعبير ودقة الوصف وسلاسة الفكرة ، حتى كان كل إنسان وحيثما انتقل أدب تشيخوف .. حتى بعد أن تخطت تلك القصص والمسرحيات البديعة حدود عصرها .. وبحسب الناقدين إيليا إهرنبرغ وصوفيا لافيت .. كان يهتف :
*« لقد علمني تشيخوف كيف أحيا »* .
كان تشيخوف ولا يزال يُعلِّم العالم .. يمسك بأيدينا ويشير لنا إلى الطريق الذي سوف تسلكه الإنسانية دون وعظ أو ادِّعاء أو التتمادي. في استخدام اللغة كذلك الرجل الذي دخل عليه منزله وراح يتحدث بلغةٍ مرَكَّبة يرى أنها في مستوى الرجل العظيم .. وأقلُّ ما توصف بها أنها لغة غير حيَّة . وإذا بـ تشيخوف في تبسُّطه يحمله على العودة إلى الإنسان في طبيعته غير المتضخمة ، فاستراح إليه بعد أن كان يلهث وراء الكلمات .. وتدَفَّق في الحديث .
*
وأنهي دراستي هذه بأن أزجي الثناء المائز العطر للأستاذ الدكتور الأديب الشاعر الناقد الباحث والمترجم أحمد علي الهمداني الذي جعل يقتفي سبل حضارة الأدب _ حضارة القلب التي سلكها الإنسان .. وذلك من خلال تلاحمه بتلك الروح التشخوفية العظيمة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق